Archive for the ‘مداد’ Category

المشوه!

أكتوبر 23, 2017

أقبل حسن ببدلته كالحة السواد وخطواته المثقلة يراقب كل شيء حوله ويزم شفتيه ، وضع قبعته على الطاولة وجلس على الكرسي، حياه النادل وسأله عما يفضّل شربه؟ طلب منه قهوة سوداء مرة!عاد النادل من حيث أتى، فلحقه بنظراته وهو يحدث نفسه : مسكين كل صباح يرتدي قناعا لا يلائمه ، كم من الوجوه التي ينفر منها يجبر شفتيه على الإبتسام لها من أجل حفنة من المال ، ماذا لو صادف وكان أحد زبائنه قد سرق ماله، أو في يوم ما قد خذله، أو كان يبغضه لسبب ما، يا إلهي كيف يذل المال الإنسان إلى هذا الحد!

أخرج زجارا من جيبه وشرع يدخن ..

كان في زاوية المقهى رجل مسن يرقبه في صمت وكأنه يقرأ أفكاره التي تعصف بذهنه..

أطرق حسن رأسه قليلا ثم رفعه، فلاحظ وراء زجاج المقهى بائعة زهور اجتمع عليها أناس يتأملون ألوان الزهور الزاهية ، ابتسم ابتسامة ساخرة وقال يحدث نفسه يال سذاجة نظراتهم ! هل فكر أحدهم أن ألوانها الزاهية هذه إنما هي سلاحها من أجل البقاء؟ هل يعرفون أنها تلجأ إلى ألوانها الزاهية هذه من أجل جذب الحشرات لتنقل حبوب اللقاح لتتكاثر؟ 

أطرق قليلا ثم عاد يحرث المكان ببصره من جديد، فوقع بصره على جموع من الناس تعبر الطريق في عجالة، تنهد في أسى وهو يقول هذا ماتفعله المدنية المقيتة ، تحولهم إلى أتراس تدور برتابة دون شعور ، تؤدي وظائفها بروتين قاتل على عجالة..

أقبل النادل إليه يحمل القهوة، تناولها منه ورشف منها رشفة يتلذذ بمرارتها ، فوقع بصره على حبيبين في طرف المقهى يتبادلان النظرات والهمسات ، أطال النظر إليهما ثم أطرق وهو يقول سينتهي كل شيء ،نعم كل شيء عندما تنتهي الرغبة، وسيهرب كل منهما من الآخر، لن يدوم حبهما أبدا لن يدوم..

 أخذ قبعته على عجل ووضع الحساب على الطاولة وخرج من باب المقهى..

لحق به الرجل المسن وحياه وهو يبتسم، رد حسن التحية والإبتسامة بمثلها .

أخذ الرجل المسن وردة بيضاء ونقر على رأس حسن وهو يقول يا صديقي الحياة أبسط قليلا من هذا!

ووضع الوردة على جيبه الذي بمحاذاة قلبه وهو يقول : وأعقل كثيرا من هذا!

ومضى في سبيله…

Advertisements

صوت الساقية!

سبتمبر 21, 2017

عشرون سنة ومحمود البقال على هذا الكرسي يدير عمله من خلال حواسه، يتعرف على بضاعته من صوتها حين يحركونها، أو صوت وضعها على المنضدة التي أمامه ، أو شم رائحتها إن لزم الأمر..سكان الحي كلهم يعرفونه ويحبون التعامل معه . يجلس العم محمود من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء على كرسية داخل الدكان ينصت للعالم ، ينصت لصوت العصافير التي التي تقف على باب الدكان ، وللأطفال المارة، وللسيارات في الشارع، ولأحاديث نساء الحي وهن يتبضعن من دكانه، وإلى أعمق من ذلك إلى أولئك المارين الصامتين الذين يتبضعون من دكانه في صمت..

يدخل أحدهم يسمع خطواته ثم صوت أحد الأكياس التي يأخذها ليجمع حاجياته فيها، يسند رأسه على يديه وينصت..

ذات مرة حين دلف أحدهم إلى داخل الدكان سمع صوت ريح عاصفة ، كانت خطواته ثقيلة كأنه يحفر الأرض وهو يمشي، وحين تحدث كان صوته مالح يخبر عن رجل عرف البحر وعرفه جيدا..

ومرة حين دخل أحدهم بدت أصوات أجراس وضحكات جمهور، خَيل إلى محمود حينها أن دكانه مسرح وأن القادم مهرج يؤدي عرضا ضاحك أمام جمهور غفير، أطرق العم محمود وهو يفكر مخيف أن يكون جوفك مليء بالهزل إلى هذا الحد!

وفِي أحد المرات وفِي غفلة منه سمع خطوات شيخ عجوز مثقلة سبقها صوت صرير أرجوحة وضحكات أطفال، وحين هم بالخروج حياه العم محمود وهو يقول له : ما أجمل أن يمر كل هذا العمر ويبقى الطفل في داخلك يضحك..!

والذي لا يمكن أن ينساه حين دخلت عليه مرأة فسمع صوت ساقية وخرير ماء وكأنه يغمر دكانه فيحيله بستانا تنبت فيه الأشجار، وكأن الوديان تجري في أطرافه وكأن زهورا فاح عبيرها، وثمارا حان قطافها ، ونسيما باردا محملا برائحة الثرى يملأ الدكان ..

اقتربت منه وناولته النقود ومضت، هم أن يوقفهاويسألها عن سر هذا الصوت الذي يسمعه؟

لكنه أدرك كل شيء حين سمع صوت صغير يناغي بين يديها..!

اشتقت لأن أشتاق!

يوليو 19, 2017

كثيرا مايكرر كبار السن أن الإنسان كل ماتقدم في العمر يكون أكثر رقة ، في حين أجدني مع تقدم الأيام أتخلى عن شيء من مشاعري بالتدرج ، لا أتذكر آخر مرة اشتقت فيها للقاء صديقة ، قد أشتاق لوالدتي إخوتي ولا شك في ذلك ، لكن في الآونه الأخيرة مع كثرة وسائل الاتصال فقدنا شعور الاشتياق بمجرد أن تشتاق لأحدهم ستصلك رسالة به ، هذا إن لم يكن قد أزعجك برسائله أو لم تكن شاهدت حسابه في سنابشات وتويتر ، يبدو أنا أصبحنا قريبين من بعض بسطحية ساذجة نتبادل النكات الظريفة والمقاطع المضحكة وقوالب النصائح الصالحة الاستخدام لنا جميعناعلى اختلافنا ، وبعيدين جدا حين ننظر للعمق، فمتى آخر مرة سألت أحدهم كيف حالك ؟ وأنت تعنيها ولم تكن روتينا تؤديه ؟ بل يبدو حتى إيدائها روتينيا قل ! لا أتذكر آخر مرة اشتقت فيها للقاء صديقة لا أعلم هل لأني أصبحت أميل كثيرا للعزلة أم أنا جميعا أصبحنا ذات الشخص الذي يعاني التوحد الإلكتروني إن صحت التسمية.

قبل وقت ليس بالطويل سألت إنسانة عزيزة على قلبي قبل أن أفارقها هل ستفتقديني ؟ رغم أني أعرف أنها تحبني كثيرا وكثيرا جدا ردت: لا ! تعودت عدم وجودك مثلما تعودت عدم وجودي ستعيشين حياتك مثلما سأعيش حياتي ..

أخفيت حزني وأنا أحدث نفسي يا ألله أعتادت عدم وجودي وأنا على قيد الحياة كيف إذا مت هذا وأنا على يقين من حبها لي..

حييتها على صراحتها لكن أصبح لدي شبه يقين أن إنسان هذا العصر إنسان الإكتفاء الذاتي ، وأن من لم يكيف نفسه على ذلك لن يستطيع أن يعيش..

ورغم كل هذا الأمر متعب.. متعب جدا أن تعتاد على عدم وجود أحبتك ويعتادوا على عدم وجودك ..

تصخر!

أبريل 16, 2017

تصخر!وضع الكرسيين الصغيرين والطاولة الصغيرة على رصيف الرسامين بجانب الطريق العام وبدأ يخرج الألوان وفرش الرسم ، ثم جلس ينتظر أحدهم ليمنحه فرصة رسم ملامح وجهه .

في الحقيقة لم يكن يرسم ملامح الوجوه، ولكنه كان يرسم آثار مرور الحياة عليها، فلطالما آمن أن الذي يعيش الحياة لابد أن ترسم على وجهه أثر، قد تترك الحياة على وجه أحدهم ابتسامة مائلة تحكي قصة خذلان عاشها، أو ربما تترك على وجه أحدهم نظرة حزينة تخبر أن الحياة لم تعبأ بقلبه حين مات له صديق أو حبيب، كثيرون الذين قام برسمهم وقد تركت الحياة على وجوههم أخاديد تحت أعينهم أو أعلى جباههم تحكي كيف كانت قاسية ومتجهمه معهم ، ذات مرة جاءه شاب غني رأى في تورد خديه وإمتلائهما كيف كانت الحياة لطيفة وسخية معه ، حدث أيضا وجاءه شخص يملك نظرات مرتابه حكت له عدد المرات التي تذوق فيها طعم الخديعه، وضع الأوراق وقلم الرصاص على الطاولة الصغيرة وهو ينتظر، لعل أحدهم يأتي ويكرمه بقراءة تفاصيل حياته على وجهه، انتظر قليلا ثم أقبل عليه أحدهم جلس ببرود على الكرسي الذي أمامه، نظر إليه نظره لم يفهم شيء منها ، ثم أخرى أكثر تفحصا ولم يجد أثر ، لا أخاديد ولاتورد خدين ولا ابتسامة ، لا شيء يدل على أن هذا الشخص في يوم ما ابتسم أو بكى أو حتى غضب ، وجهه لا يدل على أنه عانى فقر، أو حتى ذاق غنى، أو حتى كان من أصحاب الطبقة الكادحة، أطال النظر إليه ابتسم له عبس أغلق عينيه وفتحهما لعل وجهه يبوح بشيء لكن وجهه ظل جامدا بلا تعابير!

أخيرا قرر أن يرسمه لكنه استغرق وقتا طويلا في أن يجعل الصخرة التي رسمها مصقولة جيدا!

فطرة! (الجزء الأخير)

فبراير 3, 2016

هروب!أريد الرحيل..

لأرض جديدة..

لأرض بعيدة..

لأرض وما أدركتها العيون..

ولا دنستها ذنوب البشر…

                                     *عبدالعزيز جويدة

 

 

 

 

 

 

صارت إيفا تدثر ابنها بالملابس؛ لتخفي ضوء قلبه وتصطحبه في جولات في المدينة.

كان نور يراقب الناس من حوله ولكنه لا يقترب منهم خوفًا على قلبه الذي يميز الخطأ ويتأثر به منذ صغره؛لذلك أصبح يقضي وقتًا طويلًا في المنزل بمفرده, ولا يخرج إلا برفقة أحد والديه, ولا يلمس شيئًاحتى لا يُكتشف أمره,حَزن والداه كثيرًا وتألما لحاله فقد كانا يحبسانه في المنزل كثيرًا خوفًا من أن يفقداه.

استمر نور محبوسًا في منزلهم إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تركاه والداه في المنزل بمفرده,فقرر أن يخرج ويكتشف العالم أكثر وإن كلَّفه ذلك حياته..

خرج نور إلى مدينة تلدا بمفرده ليواجه مصيره ويرى الناس على حقيقتها, وأخذ يتجول في أزقة المدينة التي بدت خالية إلا من القليل من المارة, وراح يتأمل أضواء المدينة التي لاحظ أنَّها تختلف عن ضوء قلبه الفضي,واستمر على ذلك الحال يتجول في أمان إلى أن مر بأحدهم يقف بخضوع أمام قسيس يتوسلإليه, فشعر بألم في قلبه ولاحظ انخفاض في شدة الضوء الذي يصدر منه,لم يُعرْ ذلك اهتمامًا وأكمل مسيره,فبدا له متجرًا صغيرًا دلف إليه فرأى بين صناديق البضاعة رجلًا يسرق,فاشتد الألم في صدره وازداد انخفاض الضوء الذي يصدر من قلبه,وضع يده عليه وهويحاول أن يمسك باللص, لكنه أدرك خطورة ماهو عليه وأنَّه يجب عليه أن يعود للمنزل قبل أن يفقد حياته,وحين خرج من المتجريريد العودة إلى منزلهم اصطدمبفتاة في حالة سكر تكذب على والدتهاتحاول أن تبرر لها خطأها,فازداد الألم شدة حتى بدا قلبه ضعيفًا ونوره على وشك الانطفاء, سقط على الأرض فلمس الإسفلت فأضاء, انتبه المارة لهذا الضوء فصاحوا في ذهول ورهبة, حاول نور النهوض لعله يستطيع الهروب, فأمسك بشجرة فأضاءت, أصبح الناس يسيرون في جماعات يبحثون عن مصدر الضوء وقد ارتفع ضجيجهم, ونور كلما تمسك بشيء يستند إليه أضاء, إلى أن وصل إلى أحد الأزقة فاختبأ فيه..

انتشرت الفوضى في المدينة بحثًا عن مصدر الضوء, وتحدثوا عن كائن فضائي نزل من السماء, وصل الخبر إلى والدي نور ففزعا يبحثان عنه.

انتشرت سيارات الشرطة في كل مكان تحاول تنظيم الناس والعثور على الكائن الفضائي الذي غزا المدينة.اشتد خوف نور فقرر الهرب من المدينة, وحين رأى رجلًا يقف بجانب سيارته حمل عصا بجواره وضرب بها الرجل على رأسه فسقط مغشيًا عليه,وسقط نور بجانبه من شدة الألم الذي شعر به في قلبه, لكنه استطاع أن يقف من جديد وركب السيارة, وحين لمسها أضاءت, فر هاربًا من المدينة متجهًا نحو الصحراء,شاهد رجال الشرطة السيارة المضيئة فتبعتها سياراتهم,وتبعهم سكان المدينة بسيارتهم وفي مقدمتهم سيارة والديه..

أصبح نور يقود السيارة بجنون فازداد ضعف قلبه, وكلما ازداد سرعة ازداد الألم في قلبه.. توقف نور على أطراف الصحراء, وتوقف رجال الشرطة يراقبونه من بعيد خوفًا منه, ووقف الناس من ورائهم, هدده رجال الشرطة بمكبرات الصوت ودعوه أن يُسلِّم نفسه, لكنه لم يلتفت إليهم, أخذت إيفا أحد مكبرات الصوت وهي تصيح:

– نور أرجوك سلِّم نفسك.. سيحاول الأطباء إنقاذ حياتك..سنفعل كل ما بوسعنا من أجلك..

لكن نور قد أعياه التعب فنزل إلى واحة صغيرة, وحين لامست شفتيه ماءها أضاءت وكأنَّ نجوم السماء انتثرت وسطها, صاح الناس حين رأوا منظرًا لأول مرة يشاهدونه, تحرك نور باتجاه نخلة استند إليها فأضاءت, وبدت ثمراتها كلؤلؤ يتلألأ في ظلام الليل, أسند نورظهره إليها وسقط يلفظ أنفاسه الأخيرة وانطفأ النور الذي يشع من قلبه, فأقبل سرب من الطيور وحمل نور معه وصعد به إلى السماء…!

 
تمت 🙂

فطرة! (الجزء الرابع)

فبراير 3, 2016

حياة.أن تعيش يعني أن تختبر أمورًا لا أن تتقاعس وتفكر في معنى الحياة.

                                                        *باولو

 

 

 

 

 

 

 

شاع في المدينة حكاية رجل جاء من غابة مجاورة وقد رأى فيها فرسًا تشع ناصيتها نورًا, قال بعض الناس: أنَّ الرجل مجنون خُيِّل إليه, وقال بعضهم: ربما رأى مخلوقًا فضائيًّا, بينما قال آخرون: إنما هو ملاك نزل من السماء,لم يكن الخبر ذا أهمية لسكان المدينة إلا أنَّه ما إن طرق باب بيت جوزيف الذي بدا أكبر عمرًا،وأضعف قوة هو وزوجته إلا وبعث فيهما الأمل بوجود ابنهما من جديد وأنَّه لازال على قيد الحياة..

وعلى الفور اتجه جوزيف وزوجته نحو الغابة التي ذكرها الرجل في حكايته بحثًا عن ابنهما..

بحثا وبحثا إلى أن فقدا الأمل, وحين قررا العودة إلى منزلهما بدت لهما مهرة صغيرة تضيء ناصيتها كادت تسلب عقليهما بجمالها, اتبعاها وفي طريقهما كانا يمران بأحجار وأشجار وحشائش مضيئة, وكلما دخلت المهرة الصغيرة إلى أعماق الغابة ازدادت الأضواء توهجًا, إلى أن وصلت المهرة إلى قطيع من خيول نواصيها تضيء, كان يبدو عليها الاضطراب وأنَّ حديثًا مهمًا يدور بينها, فاختبئا يراقبان في دهشة وحذر لعلهما يريان ابنهما,سمع جوزيف صوتًا خلفه والتفت وراءه فوجد نورًا ينظر إليهما في حيرة..

شاب صغير تكاد عظامه تتحرر من جلده من شدة الهزاليرتدي شعر ماعز برييختبئ خلفه قلب يضيء،له عينان خضراوان، وشعر أشقر منسدل على أكتافه..

صاحت إيفابنبرة تختلط فيها مشاعر الذهول والسعادة حين رأته وهمَّت أن تضمه إلى صدرها, لكنها خافت أن يهرب منهما فعدلت عن ذلك, اقترب منه جوزيف ابتعد نور فتراجع جوزيف، وقال له:

– نور أنا والدك!

بدت معالم الدهشة على وجه نور حين سمع صوت إنسانٍ يتحدث!

تذكر جوزيف كلام الفيلسوف عن (الأطفال الوحشيين) فحاول أن يتحدث معه بالإشارة, أشار إليه إلى قلبه فانتبه نور أنَّ قلب جوزيف لا يضيء مثله فخاف, اقتربت إيفا من نور ووضعت يدها المضيئة على قلبه, فابتسم نور وكأنَّ خوفه بدأ يزول أخذت إيفا تهجئته: ماما، ماما.

نظر إليها يحاول تقليدها فنطق بصعوبة: ماما!

دمعت عينا إيفا وهي تمسك بيده وتضمها إلى صدرها،ثم أخرجت له ملابس قد أحضرتها معها,في البداية قاومها لكنه ما لبث أن ارتدى الملابس بمساعدتها وقد بدت أكبر منه بكثير لكنها أخفت النور الذي يشع من قلبه.

أمسكت بيده فسار معها إلى مدينة تلدا…

 

 

 

 

 

 

 

 

حين دخلوا المدينة واستقبلت نور المباني اتسعت عيناه في ذهول لما رأى من علوها وضخامتها, فصار يختبئ خوفًا منها وراء أمه ويتمسك بهاإلى أن وصلوا المنزل..

وهناك كانت مهمة إيفا صعبة للغاية,علَّمته كيف يأكل بيده, وكيف يستحم, وكيف يرتدي ملابسه,كانت أكثر صعوبة واجهتها تعليمه كيف يتكلم,قضت في ذلك شهورًا عانت الكثير معه,كان سريع التعلم لكنه كثير الخلوة بنفسه كثير التأمل, لا ينقاد لأوامرها بسهولة.

أصبح جوزيف سعيدًا جدًا بما أحرزته نورا من تقدم في تعليم ابنهما, لكنه في ذات الوقت حزين عليه؛ لأنَّه كثير الانطواء على نفسه، قليل الاختلاط والحوار معهما.إلى أن جاء ذاك اليوم الذي جلس فيه جوزيف مع نور وحدَّثه بكل الذي حدث له من ولادته إلى أن اختفى في الغابة, لكن حديث والدهلم يروِ ظمأه للمعرفة,فجوزيف رجل عاش وسط آلة المدينة وبدا كقطعة منها, ونور الروح المتأملة التي مُلِئت تساؤلات تبحث عن شيء آخر سرقته المدينة من سكانها, شعر جوزيف بأنَّ ابنه يحتاج لحديث مختلف عن حديثه فقرر أن يأخذه إلى الفيلسوف الذي كان على فراش المرض..

دخل جوزيف وابنه على الفيلسوف الذي كان مُزجى على السرير يصارع المرض.

انبهر الفيلسوف حين رأى نورًاولم يصدق أنَّه مازال على قيد الحياة, رحَّب بهما وأمرهما بالجلوس, وحين أراد نور الجلوس أخرج معطفه ووضعه جانبًا ذُهِل الفيلسوف لما رأى النور الذي يشع من قلبه, حاول أن يقوم من مكانه لكنه عجز عن ذلك. بدا وكأنه يشعر بقرب الموت وينتظر أحدًا ليوصيه، ورأى أنَّ نورًا هو الشخص المناسب لذلك فقال له:

يابني لقد أصبح كل مَن في هذا العالم يلهث يشق طريقًا خاصًّا به, وهو على يقين أنَّه هو الطريق الصواب نحو الهدف الذي ننشده جميعًا, بينما الكل في الحقيقة مجرد قطعة تكمل آلة المدينة التي لا تكف عن الحركة..!

يابني لقد أمضيت عمري في قراءة الكتب ومطالعة مافيها, قرأتُ للفلاسفة كثيرًا حتى تشبعتُ بآرائهم, هؤلاء الفلاسفة إما لاوجود لهم، أو هم أشقى أهل الأرض؛فالارتياب في أمور تهمنا معرفتها وضع شاق بالنسبة للعقل البشري.

نور سأعترف لك بعد كل هذا العمر الطويل أنني لم أجد عند الفلاسفة مايجيب على أسئلة كثيرة أبحث عن إجابتها منذ أن أدركت, لكنك يابنيبلا شك تمتلك كل هذه الأجوبة بقلبك المضيء وفطرتك النقية.

كان نور يستمع إلى الفيلسوف بكل جوارحه, وحين انتهى من حديثه قال بصوته الرخيم:

سيدي الفيلسوف: لقد تعرَّضتُ في الغابة إلى مصائب كثيرة, ولكنني لم أشعر قط بمثل الذي شعرتُ به حين كنت أنتقل من شك إلى شك بحثًا عن الحقيقة في عين الطبيعة.

رد الفيلسوف وهو يسعل كأنه على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:

يابني، وصيتي إليك ما يطمئن له قلبك اقبله دون تردد, واجعله حقيقة بديهية وكل ما يترتب عليه فهو صحيح…

اشتد سعال الفيلسوف فأسرع إليه جوزيف يسقيه الماء, دخل الخادم عليهما وبلطف طلب منهما ترك سيده ليرتاح, وبالفعل خرجا وتركاه وراءهم وقد ازداد سعاله شدة وكأنه على وشك الرحيل, ولكن كلماته لازالت باقية تتردد في صدر نورالذي أصبح يردد بينه وبين نفسه ما قاله الفيلسوف:

(ما يطمئن له قلبك اقبله دون تردد واجعله حقيقة بديهية وكل ما يترتب عليها فهو صحيح).

 

يتبع

فطرة! (الجزء الثالث)

فبراير 3, 2016

 مدرسة الطبيعة.

في الريف, كنتُ أحس وجود الله, أكثر مما كنت أحسه في باريس. وكنتُ كلما التصقت بالأرض ازددتُ قربًا منه. وكانت كل نزهة صلاة.

                                             *سيمون

 

 

 

 

 

 

كهف صغير فوهته لا تكاد تتسع لدخول شخص واحد لكن تجويفه يتسع لعائلة مكونة من سبعةأشخاص, تحفه الأشجار من كل اتجاه حتى تكاد تغطي مدخله, أمامه بحيرة صغيرة تجتمع الطيور والحيوانات البرية عليها لتروي عطشها كل حين..

هذا هو المكان الذي قرر جوزيف أن يبقى فيه مع طفله وزوجته, حين دخلت الأم الكهف تحمل الطفل بين يديها انعكس ضوؤه على بعض جدران الكهف فبانت بعض الرسومات التي تؤكد أنَّ هذا الكهف كان سكنًا لأحدهم يومًا ما.

رتَّب جوزيف وزوجته أمتعتهم القليلة في الكهف, ثم جلسا يتحدثان كيف يمكن أن يتدبرا أمر معيشتهم, واتفقا أن تبقى هي وطفلها في الكهف ويتوجه جوزيف إلى المدينة أيام العمل ويعود إليهما في كل إجازة نهاية كل أسبوع, في البداية خافت إيفا وترددت لكنها مالبثت أن اقتنعت أنَّ هذا هو الحل الوحيد الذي ستستمر معه حياتهم.

سارت حياة العائلة في الكهف كأي عائلة اعتادت حياة الريف ينتابها الخوف من الحيوانات المفترسة,لكنها في كل مرة تتغلب على خوفها وتقاوم من أجل البقاء.

الكثير من الذئاب ماتت بسلاح الأم الخائفة على ابنها والكثير من الثعابين كذلك. أمضت الأم سنين وهي تعيش وسط الغابة تسهر على راحة طفلها, وتحاول ألَّا تقترب منه كثيرًا إلا لحاجة,علمته كيف يتصفح كتاب الطبيعة, وكيف يتأمل كل ماحوله, تُخرجه تحت أشعة الشمس وزخات المطر، وتُريه الحيوانات البرية وتُلقِّنه أسماءها, وفي الليل حين تنتشر النجوم على خد السماء تأخذ إيفا طفلها ليعدا النجوم سويًّا, وكم منالصخور التي أضاءت حولها حين يلمسها الصغير بيده,وكم من شجيرة تستحيل إلى شيء أشبه بالسحر حين تتحول وريقاتها إلى وريقات تشع ضوءًا فضيًّا جميلًا, لكنها كانت حريصة كل الحرص على ألا يتعدى تأثيره الكهف حتى لا يستدل أحد على مكانهم, إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غادر فيه الطفل ذو الثلاث سنوات كهف والديه…

ذات صباح استيقظت الأم فلم تجد طفلها بحثت عنه قرب الكهف والبحيرة ولكنها لم تجده لقد اختفى…!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قرب البحيرة كانت هناك مهرتان صغيرتان ترويان عطشهما حين خرج الطفل من الكهف فاتجه نحوهما,لم تنفر منه المهرتان فقد بدا وديعًا في أعينهن بضوئه الفضي الجميل, أقبل عليهما.. قالت إحداهما للأخرى:

– يبدو أنَّه ملاك صغير!

ردَّت الأخرى وهي تتجه نحوه:

– أظن أنَّ جمالًا كهذا الجمال لا يمكن أن يكون إلا ملاكًا!

حين اقتربت المهرة الصغيرة من الطفل انحنت إليه برأسها كأنها تبادله التحية فمدَّ يده إليها يداعبها فأضاءت ناصيتها ضوءًا فضيًّا زادها جمالًا على جمالها.

– ياللروعة! صاحت المهرة حين رأت أختها وقد أضاءت ناصيتها.

خافت المهرة الصغيرة وأخذت تهز رأسها تحاول أن تطفئ الضوء وعجزت، فقالت لأختها:

– ماذا الذي حدث لي؟

– لا شيء سوى أنَّالملاك باركك! تبدين أكثر جمالًا.

لكنها لم تُعِرْ كلامها اهتمامًا فهربت وسط الغابة تبحث عن والديها..

همَّت أختها أن تلحق بها لكنها حدَّثت نفسها كيف تترك هذا الملاك الصغير وسط هذه الغابة ستفترسه الوحوش الضارية لا محالة, اقتربت منه وبصعوبة بالغة وبعد محاولات عدة استطاعت أن تحمله على ظهرها ولحقت بأختها..!

كان قطيع الخيول البرية قد اجتمع استعدادًا لمغادرة الغابة إلى غابة أخرى؛ وذلك لأنَّ مصادر المياه قد شحَّت فيها, أقبلت المهرة الصغيرة يسبقها ضوؤها.

كانت إلكسندرا حينها تتحدث إلى قطيعها, وحين رأت الخيول المهرة بدأت بالصهيل.

صاحت إلكسندرا في بقية الخيول تستحثهم الهدوء لتطمئن على صغيرتها.

– يالجمالها!

– تبدو كملكة!

– أظن أنَّه قد مسَّها سحر!

– إذن ستموت لا محالة!

– مسكينة والدتها لم تتمتع برفقتها كثيرًا.

صاحت إلكسندرا زعيمة القطيع مرة أخرى:

– أرجوكم الزموا الهدوء!

هدأ القطيع, فأقبلت المهرة الأخرى وهي تحمل الصغير على ظهرها, فعادت الفوضى من جديد البعض يصرخ:

الساحر!الساحر!

والبعض يقول:

الملاك!

اتجهت إلكسندرا إلى صغيرتها تسألها ماالذي حدث؟ وهي تحاول أن تُهدِئ من روعها.

حدَّثتها الصغيرة بماحدث وكيف انتقل الضوء إلى جبين أختها، وكيف أنَّها لم تستطع ترك هذا الطفل لتأكله الحيوانات المفترسة..

نظرت إليه إلكسندرا فرأت فيه طفلًا بريئًا كملاك صغير يشع ضوءًا, ثم بدأت تتحدث إلى القطيع:

– أيتها الخيول البرية إنَّ أكثركم قد شاهد بني البشر وهذا الطفل الصغير في هيئته لا يمكن أن يكون إلا بشرًا منهم, لكن الله قد وهبه هذا النور ميزة له عنهم,وإني لأظنه بشرًا مباركًا ولن أدعه هنا بين هذا الحيوانات المفترسة لتأكله,سنضمه إلى قطيعنا وسأتولى رعايته، فما قولكم؟

ساد الصمت على القطيع طويلًا حتى تحدَّث الحصان ألبرت قال وهو يخفي غيرته من هذا الطفل الذي سيحظى برعاية إلكسندرا:

– ولكنني أخشى على بقية القطيع منه, انظري إلى مادلين كيف أصبح جبينها أخشى أنَّه أصابها بسحر!

اقتربت إلكسندرا أكثر من صغيرتها لمست جبينها سألتها بلطف هل تشعرين بشيء؟

ردت مادلين:

– لا.. أنا بخير!

عادت إلكسندرا للحديث مجددًا:

– أرى أنَّ مادلين بخير وقد زادها النور جمالًا على جمالها؛ لذا سأحتفظ بهذا الطفل بعد إذنكم طبعًا!

ثم أصدرت أوامرها بالانطلاق وبدأت رحلة الخيول البرية بحثًا عن الماء وبرفقتهم الطفل نور تاركًا وراءه والديه يبحثان عنه…!

 

 

 

 

 

لم يترك جوزيف وزوجته مكانًا إلا بحثا عن طفلهما فيه, حتى بدأ يتسلل إليهم اليأس من وجوده, شهر كامل وهما من الصباح حتى المساء يبحثان عنه في كهوف الغابة وبين أشجارها حتى البحيرات الصغيرة التي كانت على وشك الجفاف كانا يخوضانها على أمل العثور عليه حتى ولو كان جثة هامدة.

بعد كل هذا العناء والتعب فكر جوزيف أن يخبر صديقه الفيلسوف الذي انقطع عنه منذ أن سكنوا الغابة, وبالفعل ذهب إليه وأخبره بكل ماجرى لهما،فكَّر الفيلسوف ثم فكَّر وبعد تفكير طويل قال:

– لا أظن أنَّ هذا الطفل قد مات؛ لأنَّه لوكان كذلك لوجدتما جثته حتى وإن افترسته وحوش الغابة لابد أن تجدا عظامه,في ظني أنَّه الآن برفقة ظبية أو حيوان آخر ينعم بحنانها.

رد عليه جوزيف في سخرية:

– يبدو أنَّ تأثير العمر بدا واضحًا عليك,كيف يمكن لإنسان أن يعيش وسط الحيوانات؟ … هل جننت؟

– نظر إليه الفيلسوف ثم قال في استعلاء:

– ما أقوله مبني على حقائق علمية تعال معي لأريك.

جلس الفيلسوف على مكتبه ونقر على جهازه، ثم قال:

– هذا بحث يتحدث عن ظاهرة (الإنسان الوحشي) أو (الأطفال الوحشيون) أحصى الأستاذ ليـسـيانمـالـصونLucien Malsonفي كتابه: «الأطفال الوحشيون الأسطورة والحقيقة» اثنين وخمسين واقعة من وقائع التوحش الإنساني المكتشفة، أما اليوم فقد بلغت ضعف هذا العدد!

– كلام جميل يبعث الأمل فيّ وفي والدته أنَّه لا زال على قيد الحياة.

– لكنك يجب أن تجعل في ذهنك أنَّك كلما تأخرت في إيجاده سيكتسب الكثير من الصفات الخُلقية للحيوانات التي يعيش معها.

اُنظر هنا..

وبدأ يقرأ:

إنَّ كل عزل تام لأي طفل يشي بفقدانه لأولياته الصلبة، أي لقابليات التكيف النوعي. هذا ما تشهد به وقائع الأطفال المحرومين باكرًا من كل الصلات الاجتماعية، أولئك الذين نسميهم «وحشيين». فهؤلاء يبقون في وحدتهم يتلاشون إلى حد يبدون فيه مثل بهائم مثيرة للشفقة، في الدرك الأسفل من الحيوانية، وعوض أن نجدهم في حال من الطـبيعة تـسـمـح بظهـور الإنسان في مراحله البدائية الأولى كما افترضها أصحاب نظريات التطور، نجد أنفسنا أمام حالة شاذة تتحول فيها كل دراسة نفسية إلى دراسة تشوهات.

– هل تعني أنَّ طفلي سيفقد إنسانيته؟

– بناء على هذا النظرية نعم، وهذا يعتمد على مدى قابلية طفلك للمؤثرات التي ستواجهه،وبالزمن الذي سيقضيه وسط هذه الحيوانات.

 

أمسك جوزيف رأسه بكلتي يديه وهو يقول:

– أكاد أجن ازداد الأمر تعقيدًا كنتُ أبحث عنه لأنقذه من الموت, وأصبحتُ الآن أبحثُ عنه لأنقذه من الموت، وأنقذ ماتبقى له من فطرته!

قال له الفيلسوف وهو يحاول أن يهدئه:

– تقصد تنقذه من الموت، وتنقذ مظاهر إنسانيته أما فطرته فهذا شيء آخر..

– ماذا تعني؟

– لازلت مصر على أنَّ فطرة الإنسان تبقى معه حتى وإن نشأ وسط الحيوانات وتشوه مظهرهحتى وإن خالفت الأستاذ ليـسـيانمـالـصون فيماذهب إليه.

– وإلى ماذا ذهب الأستاذ ليـسـيانمـالـصون؟

– لقد اختار أن يُعرِّف (الإنسان) بأنَّه: “كائن لـه تاريخ، أو بالأحرى هو نفسه تاريخ”. وقصده بذلك: أنَّ (الإنسانية) ليست معطى طبيعيًّا، وإنما هي نتيجة الانتماء الثقافي للفرد. فصلته ببني جنسه، والدروس التي يتلقاها قصدًا أو عفوًا عن محيطه الاجتماعي، والنماذج السائدة في مجاله الثقافي، هذه الأبعاد هي التي تُشكِّل إنسانيته.إنَّ الأستاذ مالصون يدعونا إلى التسليم بأنَّ الإنسان لن يكون إنسانًا خارج الفضاء الاجتماعي؛ لأنَّه لا وجود لطبيعة إنسانية سابقة على وجود المجتمع. ومن ثم يصر بعناد على أنَّ “الإنسان لا يُولد، ولكن يُبنى”.

– ماذا يعني هذا؟

– يعني أنَّ مالصون يرى أنَّ الإنسان إذا وقع في أسر التوحش، ستندثر بكل بساطة «ماهيته»، وتغيب فجأة «ذاتياته»، فإذا بنا إزاء «إنسان» بدون إنسانية، مادة بلا صورة، شبح يشهد على ذاته بالقصور الجذري!

– يا إلهي أنتَ تُعقِّد الأمور أكثر مما ينبغي.

– لا تهتم…أنا لا أؤمن بما يقول مالصون إنِّي أؤمن بفطرة حي بن يقظان التي دلَّته على المعارف كلها!

– أنتَ فيلسوف مجنون هذا الرجل يبني كلامه على حقائق علمية, بينما أنتَتبنيها على آراء فلاسفة ماتوا وماتت معهم أساطيرهم المنسوجة من خيال!

اقترب الفيلسوف من جوزيف يحاول أن يبعث فيه الأمل، وقال:

– نور سيبرهن على هذه الآراء وسنرى ذلك.

خرج جوزيف وهو لا يكاد يستطيع حمل رأسه من كثرة حيرته وخوفه على ابنه تاركًا وراءه الفيلسوف ينقر على جهازه يبحث عن أدلة تثبت كلامه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عاش نور وسط الخيول البرية ينعم بحنان إلكسندرا وأخوة مادلين وليسا, يأكل الحشائش مثل بقية الخيول ويروي عطشه من مياه الغابة ويغطي جسده بفرو الحيوانات,يعيش في سعادة بين الخيول التي تسابقت في الحصول على مباركة منه على نواصيها, فأصبح القطيع يشع نورًا جميلًا ميزة عن بقية الخيول كان نور كاسمه كلما لامس شيء بيده أضاء..

كثير من أشجار وصخور وحشائش الغابة أصبحت تضيء بفضل يدي نور الصغيرة, لكن سعادته لم تدم طويلًا, فقد تبدلت حين كبر وبدأ بالتفكير فيه وفي هذه الحيوانات التي هو وسطها, أصبح يسأل نفسه كثيرًا لماذا أختلف عنهم؟… ولماذا ليس ثمة أحد يشبهني هنا؟.. ولماذا أنا هنا؟… ومن أين أتيت ؟… ومن أنا؟ .. وما هذا الضوء الذي يشع مني؟

صار نور كثير الخلوة بنفسه يصعد إلى أعالي الجبال ويتأمل, وفي كل مرةكان يتأمل فيها نفسه وفي الخيول حوله كان يحدث نفسه الحديث ذاته:

أنا كائن لدي حواس تؤثر فيني.. أنا كائن فاعل عاقل.. تميزتُ عن باقي الكائنات بقوة التفكير…. لكني تائه ضائع في هذا الكون الشاسع.. شاء مدبر هذا الكون أن أكون وسط هذه الخيول التي لا تشبهني ولا أشبهها في شيء..!

وحين يصرف بصره إلى الكون ويتأمل في الليل والنهار،والشمس والقمر،والحجر والشجر كان يخلص إلى حقيقة واحدة:

إنَّ هذا الكون بهذا النظام الدقيق لابد له من مدبر حكيم, أنا أشعر بذلك إنِّي أرى تدبيره الحكيم في كل شيء أمامي, ولا يمكن أن يكون وجودي هنا وسط هذا الكون عبث, كيف لمن هذا تدبيره أن يخلق شيئًا في هذا الكون عبث ولو صغر حجمه وقلَّت قيمته؟

لابد لهذا العقل الذي أمتلكه وهذا الشيء الذي ينبض بداخلي ويضيء أن يدلني على الطريقة الصحيحة التي يجب علي أن أسلكها لأؤدي دوري في هذا الكون المنتظم…

أمضى نور عدة سنين وهو يكرر على نفسه نفس الحديث ويقلِّبه في ذهنه, حتى قرر ذات يوم الهرب من قطيع الخيول والبحث عن مَن يشبهونه…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فطرة! (الجزء الثاني)

فبراير 3, 2016

 الفيلسوف..

( إنَّك لا تستطيع أن تتعلم إلا حين تُعلم).

باولو*

 

 

 

 

طرق الباب ففتح له الخادم سأله عن رفيقه فرد عليه: في المكتبة.

في أقصى المكتبة وعلى الأرض كان ثمة شيخ كبير يجلس القرفصاء، أشعث الرأس، ذو عينين ذابلتين وقد احتضن بيديه كتاب يقرأ..!

– صباح الخير..

– صباح الخير..

تعانقا..

– تفضل… منذ زمن لم أراك.. لماذا كل هذا الغياب؟

– هكذا هي الحياة تأخذنا حتى من أنفسنا لكنها ما تلبث أن تعيدنا إليها..

– أهلًا بك وبعودتك.

– لكني هذه المرة أتيتك سائلًا لا زائرًا.

– على الرحب والسعة.

– الحقيقة أنَّ زوجتي أنجبت طفلًا.

– خبر جميل.

– لكنه ليس عاديًّا.

– وما الغريب فيه؟

– قلبه يضيء!

وقف الفيلسوف في دهشة وهو يقول:

– يا إلهي..!

أكمل جوزيف:

– وحين ألقمته أمه ثديها أضاء، وحين حاولت لمس مصدر الضوء في قلبه أضاء.. وبمجرد ملامستها ليديه أضاءت يدها..!

بدت كل علامات الدهشة والحيرةعلى وجه الفيلسوف, وأخذ يهرش رأسه ويذرع المكان ذهابًا وعودة وهو يفكر، وبعد صمت طويل قال:

– هذا الطفل لا يمكن إلا أن يكون أعجوبة.

إذ ليس من الممكن أن يكون نبيًّا أو ملاكًا أو ساحرًا أو أي شيء آخر,ولا أعتقد أنَّ ثمة شيء يمكن أن يُفسِر لنا ماذا يمكن أن يكون هذا الطفل إلا مراقبته..!

– تعني أنَّه لا حل أمامنا إلا أن نضعه تحت مراقبتنا؟

– نعم، وتوافيني بكل جديد وأنا سأبحث في الكتب التي بحوزتي لحل هذا اللغز..!

– إذن سأتركك وسنلتقي مره أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت الأم تضع طفلها جانبًا على طاولة المطبخ وقد كشفت عن قلبه المضيء مستغنية بضوئه عن ضوء الكهرباء, تغسل الأطباق وسط رائحة الصابونفي سعادة غامرة بطفلها المختلف والذي بدأت تشعر معه بتميزها عن نساء العالمين, رنَّ الهاتف فالتفتت نحوه وهي تسأل نفسها مَن سيكون المتصل؟

حين رفعت سماعة الهاتف ووصل إلى سمعها صوت جارتها شعرت بحجم المأزق الذي هي فيه قالت بنبرة تصطنع فيها السعادة وهي تنظر إلى طفلها:

– مرحبًا كنت في انتظارك.

خُيِّل إليها أنَّ شدة الضوء الذي يشع من طفلها انخفضت وبدأ الطفل في البكاء, شعرت بالرعب.

حاولت أن تتلطف مع جارتها واستأذنتها بأنَّهامشغولة وستُعيد الاتصال بها لاحقًا,

أغلقت سماعة الهاتف واتجهت إلى طفلها, تأكدت بالفعل أنَّ شدة الضوء قد انخفضت,وضعت يدها على قلبه تتحسسه فوجدت نبضاته قد اضطربت, رفعت يدها في توجس وذعر فدخل عليهما والد الطفل الذي لاحظ ماهي عليه فسألهامابالك مذعورة؟ فحدثته بما جرى..

لم يستطع أن يتحدث بشيء لوقت طويل,كان كل ما بوسعه هو تأمل الطفل بصمت..

بعد صمت طويل سألها:

– هل صدر منك خطأ؟

سكتت للحظات ثم أجابت:

– لا أتذكر شيء سوى أنِّي كذبت على جارتي!

رد بقوله:

– هذه هي: لقد كذبت! يبدو أنَّ هذا الطفل هو صورتنا النقية التي نولد عليها، ثم تشوهها أخطاؤنا..

وضعت يدها على فمها وهي تقول ما العمل إذن! لم نُخلق ملائكة ولابد أن يقع منا الخطأ..

قال لها في أسى:

– يبدو أنَّ هذا الطفل لن يعيش طويلًا، وأنَّ هذا الضوء سيخبو وتنتهي معه حياته.

أجهشت بالبكاء وهي تقول: طفلي..طفلي..

وضع يده على كتفها وهو يقول: هذا قدرنا ولا مفر من الأقدار, حاولي قدر الإمكان تجنب الخطأ أمامه وأبعديه عنا حتى نرى ماذا يمكن أن نفعل من أجله؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جوزيف ابن مدينة تلدا التي تحدها الصحراء من يمينها والغابة من يسارها رجل عصامي يحب عمله جدًا, يمتلك عينين زرقاوين, ورأس حين تراه تشعر لأول وهلة أنَّهلم يعرف الشعر يومًا ما,بدين بعض الشيء, يحلو لزملائه تسميته بالجرافة, وهذا اللقبيشعره بالفخر؛ لأنَّه تعبير من زملائه عن إعجابهم بقوته وصبره على العمل إذْ هو ملجأهم في المهام الصعبة….

دخل جوزيف مكتبه وهو غارق في التفكير في ماذا يمكن أن يفعل من أجل هذا الطفل, استقبله سلمان صديقه الأسمر الفارع الطول بابتسامة وهو يسأله عن أحواله, رد جوزيف الابتسامة بمثلهاوطمأنه أنَّه بخير,استوى جوزيف على كرسيه وهو يحدث نفسه: سلمان ابن الإسلام الحديث هل يمكن أن أجد عنده تفسيرًا لما يحدث لطفلي؟ همَّ أن يخبره لكنه عدل عن ذلك, وفكر أن يطرح استفساره كموضوع عام قال:

– سلمان هل يولد الطفل على دينكم أم أنكم مَن يُلقِّنه الدين؟

استدار سلمان الذي كان يهم بالخروج باتجاه جوزيف وهو يحدثه بحديث بسيط:

– يولد كل طفل في كل مكان وزمان على الفطرة.

– فطرة! قالها جوزيف وهو يحاول أن يفهم معناها ويستحثه على الحديث,لكن سلمان كان على عجالة من أمره فخرج وترك جوزيف يكرر كلمة فطرة في حيرة..!

 

 

 

 

كان صديق جوزيف الفيلسوف ذو العينين الذابلتين يجلس على مكتبه حين ذكر له ما قاله عن الفطرة التي حدثها عنه صديقه المسلم..

قال لنبحث هنا عن معنى فطرة:

نقر الفيلسوف على الجهاز الذي أمامه وبدأ يقرأ،ثم قاللصاحبه بعد قراءة طويلة: أمامي الآن سبع آراء عن الفطرة التي حدَّثك عنها صديقك المسلم.

وكلها تُفسِّر حديث لنبيهم محمد يقول فيه: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).

رد جوزيف في حيرة:

– أكاد أجن! .. هذا الأمر كلما قلتُ أنني سأجد له حلًا يزداد تعقيدًا, سبع آراء ما الذي يدريني أيهم أصح؟ وكيف يمكن لي أن أنقذ فطرة طفلي الصغير إن كانت بالفعل هي الذي يشع منه؟في حين أنَّ الحديث الذي ذكرته يبين أنَّ الأبوين هم مَن يُغيِّر فطرة طفلهم؟

أطرق الفيلسوف قليلًا ثم قال:

دعك من كل هذا, واسمع حديثي:

الفطرة التي تشع من قلب طفلك هي قبوله لكل خير يمكن أن يواجهه,هي قدرته على معرفة الحقيقة,الفطرة التي سنحافظ عليها بعيدًا عن كل شر هي التي سنتعامل معها.

– وكيف نتعامل معها؟

– اسمع ياصديقي: يجب أن تهرب بهذا الطفل يجب أن تضعه في كهف وسط الغابة بعيدًا عن كل هذا العالم المجنون وإلا سيُكتشف أمر هذا الطفل ولن يعيش طويلًا.

– هل جننت؟!

– إنَّه حي بن يقظان جديد, لكنه نور جوزيف ابن المدينة الصغيرة تلدا، ويجب أن تحافظ عليه فاختر بين حياته وموته.

رد جوزيف في حزن:

– يبدو أنِّي سأختار حياة طفلي وفطرته النقية.

أخذ جوزيف قصة حي بن يقظان بيده وخرج وكأنه يحمل هموم الدنيا وليست مجرد قصة نسجها خيال ابن طفيل…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

على مكتبه العتيق وتحت الإضاءة الخافتة جلس جوزيف وقد أعياه السهر يتصفح رواية حي بن يقظان يبحث بين أسطرها عن الحل الذي ينشده لإنقاذ طفله الصغير…

دخلت عليه إيفاوهي تحمل الطفل بين يديها فأضاءت الحجرة بضوء فضي وكأن كوكب صغير قد أشرق عليها, فبانت عينا إيفاالخضراوان وخصلات شعرها الشقراء التي تغطي جانبي وجهها,وضعت طفلها على طاولة المكتب وهي تنظر إليه بحب وحنان الأم.

سألت جوزيف:

– ما الذي تحمله بين يديك ؟

رد بملل:

– رواية ابن طفيل حي بن يقظان أحاول أن أفهم ماذا يريد أن يقول لي صديقي الفيلسوف حين أمرني بقراءتها؟!

أخذت الرواية من بين يديه، ثم قالت وهي تختصر له الرواية في كلمات قليلة:

– حي بن يقظان إنسان وُلِد في عزلة عن البشر,فدلَّه التأمل إلى المعارف كلها,حتى أنَّه أدرك بتأمله حقيقة أنَّ هذا الوجود له إله يُدبره, وحين التقى برفيقه (أسأل) اختلط ببني البشر أدرك أنَّ حقيقة أكثرهم حيوان ناطق في صورة إنسان فقرر العودة هو ورفيقه إلى عزلتهما والبقاء وحيدين إلى أن ماتا..

هذه هي رواية حي بن يقظان باختصار, وأعتقد أنَّ صديقك الفيلسوف يريد أن يقول لك: أنَّ الحل مع هذا الطفل هو العزلة عن هذا العالم الموبوء.

– وكأنك تسمعين الحوار الذي دار بيننا بالفعل هذا هو ما قال له لي.

قال لي أن أذهب بهذا الطفل وأضعه في كهف في الغابة بعيدًا عن هذه المدينة!

ردت في غضب:

– وهل جننتَ حتى تفعل مايقول؟

– ليس أمامنا لإنقاذ حياته إلا هذا الحل وسنفعل.

قالت بصوت يملأه الغضب وقد ارتفعت نبرته فعلا صياح الصغير:

– لن أفعل لن أفارق هذا الطفل ماحييت, هذا طفلي.. طفلي..هل تعرف ماذا يعني طفلي؟

أخذت طفلها على عجل وهمَّت بالخروج..

قال لها وهو يتوسل إليها:

– أرجوك انتظري.

التفتت إليه، وهي تقول:

– تأكد بأنَّمصير هذا الطفل هو مصيري, ولن أتخلى عنه ماحييت.

قال وهو يصطنع الهدوء:

الحل الوحيد الذي أمامنا هو أن ننتقل جميعًا إلى كهف وسط الغابة ونتوخى الحذر في أفعالنا حتى يمكننا الحفاظ على حياته..!

 

 

 

 

 

يتبع

فطرة!

يناير 29, 2016

  
فطرة!
الإهداء:

لكل قلوب الأطفال وإن كانت خلف أضلع الكبار!

 

 (الجزء الأول)

​ولادة معجزة!

كلام الله في قلب كل فرد فينا, لكننا مشغولون في الرأس حيث إننا لم نُصِغِ أبدًا لذلك الصوت الهادئ الخافت داخلنا, هناك ضجة كبيرة جدًا, صخب عالٍ جدًا لا ضرورة له, لقد جعلنا من الرأس سوقًا تجاريًّا, ذلك أنَّ القلب يستمر في النداء ونحن لا زلنا لا نرغب في سماعه..                

أوشو*

 

 
 

 

 

 

 

لم تكن تعلم إيفا أنَّ المخاض سيجيؤهاإلى طاولة المطبخ لتعاني آلامه وحدها, بقبضة يديها أمسكت بقدمي الطاولة ودخلت في نوبة صراخ الموت وحيدة بعيدًا عن كل البشر عدا جنينها الذي تنتظر كانت هي الفكرة الوحيدة التي تسيطر على ذهنها حينها, ومع صرختها الأخيرة خرج طفل يؤذن في الحياة..!

رغم أنَّ الألم قد بلغ منتهاه إلا أنَّإيفا استطاعت أنْ تتدبر أمرها وأمر طفلها, بيد أنَّ الطفل لم يكن طفلًا عاديًّا..!

اقتربت إيفا منه وهي تغالب الخوف الذي اعتراها من منظره الغريب, نظرت إليه, كان ثمة ضوء يشع من قلبه الصغير خلف أضلعه,خافت إيفا على طفلها البكر أنْ يكون قد اعتراه سوء, وبحنان الأم وضعت يدها على مصدر الضوء تتحسس قلب صغيرها فأضاءت يدها!

فزعت! رفعت يدها وهي تنظر إليها كانت تشع ضوءًا فضيًّا كضوء القمر،وقد أصبحت معه يدها الممتلئة أكثر جمالًا, قالت تُحدِّثُ الصغير في خوف: قل لي بربك ما الذي يحدث؟ ماقصة هذا الضوء؟ لكن الطفل شرع في البكاء, تذكرتأنَّها لم تطعمه وبفطرة الأم حركت جسدها المنهك الملقى على الأرض الباردة، وأمسكت صغيرها بيديها المرتجفتان وألقمته ثديها،وما أنْ لامست شفتي الطفلثديها حتى أضاء!

أبعدته عنها في ذهول وهي تكرر عليه السؤال نفسه تتوسل إليه: أرجوك قل لي ما الذي يحدث هنا؟

عادت تُلقمه ثديها وقد غلبتها رأفة الأم, رضع الطفل حتى شبع وغط في نوم عميق, وضعته في لفافة من صوف, وجلست تتأمله وتسأل نفسها ما الذي يحدث أمامها؟

في البداية قالت: ربما هو نذير شؤم؟ أو هي ذنوبها التي ارتكبتها جاءت لتقتص منها وتُحوِّل حياتها إلى جحيم؟

سألت نفسها: هل تتخلص منه؟ اقتربت منه تريد أنْ تخنقه وتنهي هذي الحيرة التي تعصف بذهنها؟

لكنها جبنت عن ذلك وقبَّلت جبينه الصغير بحنان وهي تحدث نفسها: كيف يمكن أن يكون طفلًا بهذا الجمال نذير شؤم, وكيف يمكن أن يكون النور دليل شر؟ هذا الطفل جاء لينير العالم؟ هكذا أقنعت نفسها وهي تتأمل قلب الصغير, ويدها وثديها وهي تضيء!

وصل إلى مسامعها صوت خطوات قادمة من بعيد, فأدركت بأنَّ والد الطفل قدم من عمله,ودون تفكير حملت الطفل واختبأت في آخر مخزن الطعام، كان مخزن الطعام مظلمًا فبدا قلب الطفل ويدهاوالنور يشع منهما أكثر جمالًا.

اختفى الصوت فعلمت أنَّه بحث عنها فلم يجدها واعتقد أنَّها خارج المنزل فدخل غرفتهما, وضعت الطفل جانبًا, وجلست تفكر كيف يمكن أنْ تشرح له ما الذي يحدث وهي لا تعلم حقيقة ما الذي يحدث أمامها؟! فكرت وفكرت وفي النهاية قررت أنْ تُخفي عنه أمر هذا الطفل؛ لأنَّها خشيت أن يظن كما ظنت هي, أنَّه نذير شؤم ويتخلص منه, وستتدبر أمر إقناعه بأنَّها فقدت جنينها وأنَّه قد مات..!

كان مستلقيًا على سريره بملابس عمله وقد بدا أثر الإرهاق واضحًا على محياه, لكنها حين دخلت وهي تتدثر برداءٍ صوفي أسود وتخفي يدها التي تضيء في جيبها وثب واقفًا ينظر إليها في دهشة ويشير إليها في حيرة أين ذهب بطنها؟

قال بصوت تملؤه الحيرة:

-أين الطفل؟!

ردت بحزن وأسى مصطنع:

-لقد فقدته..

– لكن كيف ذلك؟ ومتى؟ وأين؟

أشارت إليه أن اجلس وجلست بقربه تحكي له قصة من نسج خيالها قالت:

حين وضعتهكان هزيلًا ضعيفًا لكنه كان طفلًاغير طبيعي! كان قلبه يضيء وحين لمسته بيدي أضاءت!

وأخرجت يدها له, نظر إليها في ذهول وهو لا يكاد يقدر على إخراج كلماته قال:

ثم ماذا حدث؟أين هو الآن؟

– لقد لفظ أنفاسه وتخلصت منه بدفنه في حديقة المنزل الخلفية, إنه نذير شؤم وكان يجب علي أن أتخلص منه, وقد فعلت!

– ولكن..

– ولكن ماذا؟ ألا يكفي يدي التي لا أعلم متى سينطفئ ضوؤها، وإلى متى سأبقى أخفيها عن الآخرين؟!.. فتحت عن صدرها وهي تسأله بانفعال:

– انظر إلى ثديي الذي ألقمته إياه كيف أصبح؟

كان ينظر إليها في ذهول وهو لا يدري هل يصدقها أم يكذبها, لكن الشواهد التي أمامه لا مجال أمامها لتكذيبها, جلس لوقت طويل وهو يتأملها في صمت لكنه في النهاية استسلم للأمر الواقع وسألها بلطف:

– هل تؤلمك يدك؟ هل يؤلمك ثديك؟

ردت بالنفي:

– لا.. لكنني متعبة من آلام المخاض وأحتاج إلى نوم عميق.

– وأنا كذلك . قال لها ذلك ثم استلقى على السرير.

انتظرت إلى أن تأكدت أنَّه نام ثم أسرعت إلى طفلها تنظر إليه, حين دخلت عليه بدت لها هالة النور الذي يشع من قلبه كضوء البدر حين اكتماله,كان في غاية الجمال, وقد أضفى عليه النور حسنًا يأخذ بالأبصار والقلوب, نظرت إليه ووضعت يدها المضيئة على قلبه؛لتتأكد أنَّه لازال ينبض بالحياة, وبعد أن اطمأنت أنَّه بخير دثرته جيدًا، ثم عادت بسرعة إلى غرفتها؛ حتى لا يفتقدها زوجها ويكتشف أمرها.

استيقظ الطفل على أثر الجوع, في البداية لم يكن صوته مرتفعًا, لكنه مالبث حتى ارتفع ليصل إلى غرفة الأبوين, كانت الأم تغط في نوم عميق بعد معاناتها مع عسر المخاض وذهولها من الأشياء الغريبة التي تحدث أمامها, استيقظ الأب على أثر الصوت, واعتقد أنَّ الطفل نذير الشؤم شيطانًا خرج من قبره لينتقم منهما,حاول إيقاظ زوجته لكنها كانت متعبة بالقدر الذي جعلها لا تشعر به,هزها بقوة فاستيقظت وهي تسأله:

– ماذا هناك؟

رد بنبرة خائفة:

-الطفل نذير الشؤم يبدو أنَّه لم يكن سوى شيطانًا وقد خرج من قبره لينتقم منا!

قفزت من السرير بسرعة متجهة نحو باب الغرفة تريد أن تذهب لطفلها الذي علا صياحه, لكنه أمسك بقميصها من الخلف وهو يقول:

– إلى أين أنتِ ذاهبة أيتها المجنونة؟

تلعثمت حاولت قدر المستطاع أن تجد شيئًا لتقوله لكنها لم تستطع إلا البكاء..

كاد يُجن وهو يصرخ في وجهها:

– ماذا هناك؟ماذا تخبئين أيتها الخبيثة؟ لماذا تكذبين علي؟ طفل مَن هذا؟ أيتها…

وضعت يدها على فمه وهي تصرخ:

– كفى.. كفى أرجوك. اصمت.

– كيف تريدينني أن أصمت وأنتِ تكذبين علي؟ لماذا ادعيتي أنَّ الطفل قد مات؟ماقصة النور الذي في يدك؟ وثديك؟

كانت تبكي بحرقة وصوت طفلها يزداد ارتفاعًا..

حاولت أن تتكلم لكن الأب اشتد صراخه وهو يقول:

أنا فهمت كل شيء..كل شيء.. هذا الضوء أرسله الرب لأكتشف حقيقتك أيتها الخائنة..

سأقتلك.. لكن قبل ذلك سأقتل هذا الشيطان اللعين.

أين تخفينه؟هيا تكلمي.. تكلمي أيتها الخبيثة.

اشتد بكاؤها, قذف بها وخرج يبحث عن مصدر الصوت ليقتل صاحبه.

لحقت به فتح باب مخزن الطعام وهو يصيح أيها اللعين.. وحين رآه توقف في مكانه، ولم يقدر على الحراك!

كان الطفل يضيء ككوكب دري صغير وسط مجرة, نظر إليه وإلى هالة الضوء الذي تحيط بهفرأى فيه ملاكًا صغيرًا,وقف مشدوهًا يتأمل, اقترب منه, حاول أن يلمس الضوء بيده لكن زوجته أمسكت بيده, وهي تقول: احذر سينتقل الضوء إلى يدك كما حدث معي.

نظر إليها, كان بوده لو يركع بين يديها يعتذر, لا يمكن أن يكون مثل هذا الطفل نتيجة غدر وخيانة, هذا الطفل معجزة بل آية! هكذا حدث نفسه.

حمل الطفل وناوله إياها لتُرضعه, وخرجا من مخزن الطعام…

في مشهد جميل كانت الأم تجلس على طرف سريرها تضع طفلها في حجرها وتُلقمه ثديها المضيء, في حين ظل أبوه الذي كان يريد قتله جالسا على الأرض بقربها واضعا يده على إحدى ركبتيها يتأملهما في هدوء..

قال لها: أنا أريد أن أعتذر لك.. في الحقيقة..

وضعت يدها اليسرى على فمه وهي تقول:

-لا تقل شيئًا, مايحدث لنا أكبر من أن تتحمله عقول البشر!

أطرق برأسه للحظات كأنَّه يريد أن يؤكد لها الاعتذار، ثم قال:

– ماسرهذا الطفل؟وماقصة هذا الضوء الذي يشع من قلبه؟

هل هو نبي؟

ردت:

– مستحيل ذلك ! على مدى قراءتي واطلاعي لم أقرأ شيئًا كهذا!

نعم, كان الأنبياء يحملون معهم المعجزات الكثيرة لكنني لم أقرأ أو أسمع عن نبي ولد بقلب مضيء!

رد عليها:

– إذن ما حقيقة هذا الطفل؟

– ربما ساحر!

– لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا؛ لأنَّ الساحر أقرب إلى الشياطين منه إلى الملائكة وهذا الطفل بقلبه المنير أقرب لأن يكون ملاكًا!

– ملاك!… إذن قد يكون ملاكًا..

– ولا هذه أيضًا إذ كيف يولد ملاك من رحم امرأة؟.. حتى المسيح ابن مريم حين وُلِد من غير أبلم يعدو كونه بشرًا مثلنا!

– إذن ماذا سيكون هذا الطفل الذي بين يدينا؟

خيمت عليهما لحظات صمت وهما يتأملان الطفل الصغير يحاولان أن يجدا إجابة لهذا السؤال الذي حيرهما قالت:

– لابد أن نسأل خبيرًا عالـمًا في مثل هذه الأمور…مارأيك أن آخذه إلى الكنيسة؟

– لا .. لا.. أخشى أن يُكتشف أمره فنُحرم منه, أو يحدث له سوء… ثم إنَّا لسنا من رواد الكنائس كما تعلمين حتى نذهب به إليها…ليس أمامنا إلا أن نجعل أمره سرًا بيننا.

– وكيف يمكن أن نفعل ذلك لا بد أن يُكتشف أمره.

– دعي ذلك جانبًا سنبحث ذلك في وقت آخر, المهم الآن هو ماحقيقة هذا الطفل وقلبه المنير والنور الذي ينتقل منه إلى كل مَن يحاول لمسه؟

يبدو أنَّالنور لا ينتقل إلا في حالة واحدةوهي لمس قلب الصغير أو ثغره!

وكأنه تذكر شيئًا, قال لها:

– ماذا عن بقية جسده؟

ردت:

– انتظر لنرى..

أخذت تتحسس بيديها جسد الطفل قدميه, ساقيه, ثم فخذيه, حتى لمست يديه فأضاءت يدها..!

 

كانت إيفا ذات العينين الخضراوين والشعر الأشقر الطويل الناعم قد جلست على كرسي قرب طاولة غرفة المعيشة وقد أنهك جسدها الممتلئ مخاض الولادة,تحاول أن تُسقي طفلها الماء عن طريق تنقيطه بأحد أصابعها فيفمه,حين دخل والده وقد بدا على محياه سعادة غامرة.. قال لها: وجدتها!

ردت الأم: وما هي التي وجدتها؟

– وجدت الحل الذي سيساعدنا على معرفة حقيقة هذا الطفل!

ردت بلهفة: وماهو أرجوك أخبرني؟

– لدي صديق قديم كثير القراءة والاطلاع هو أقرب للفيلسوف من أي شيء آخر. أعتقد أنَّه لن يتأخر فيتقديم المساعدة لي خاصة أنَّ علاقتي به متينة.

– وهل تظن أنَّه لن يفشي أمر هذا الطفل؟

– لا، لا أعتقد ذلك إنَّه قليل الاختلاط بالآخرين، وقليل الكلام، وكتوم، وقبل ذلك كله هو محل للثقة.

– إذن فلتأخذ الطفل إليه.

– ليس بعد أن أعرض أمره أولًا عليه.

– إذن فلتفعل.

– غدًا صباحًا سأكون في معيته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قلوده..!

يونيو 10, 2014

٢٠١٤٠٦١٠-١٠٤٥٣٩-٣٨٧٣٩٥٣٠.jpg

السعادة عدوى ولايمكن إنكار ذلك صوت ضحكة صاخبة كفيلة بانتزاع ضحكتك وابتسامة ثغر طفل كفيلة بأن تصنع يوما كاملا .. لذا قررت أن أسرق من أفراح الآخرين:)
كان التأمل ولازال هوايتي الجميلة والقريبة لنفسي.. وحين أوقف زوجي سيارته أمام محل أيس كريم متواضع وسط حي متواضع كانت فرصة جميلة لتأمل فرحة أولئك الذين يقدرون قيمة الأشياء الصغيرة..
أب يفتح الباب وخلفه ثلاثة أطفال تكاد عيونهم تتحدث سعادة من أجل ملعقة صغيرة من الآيس كريم..
طفل يؤشر بإصبعه الصغير على نوع الآيس كريم الذي يفضل وهو يشرح لوالده الذي يريد ..
طفلتي الصغيرة من خلف الزجاج تأشر بيدها لي وترسل لي قبلة عبر الأثير وأحدهم يتأملها ويضحك..
ياألله لو أني أملك سعادة الصغار البسطاء الذين يدركون قيمة الأشياء الصغيرة كيف يمكن أن تكون حياتي..
قيمة شربة الماء الباردة النقية في حين هناك من يملأ بطنه الطين 😦
قيمة أن أجد اللقمة النظيفة في حين أن هناك من ينام وهو يحتضن بطنه من الجوع:(
قيمة الابتسامة العابرة التي يرسمها أطفالي في موقف عابر..
قيمة أن تكون عائلتي بخير وسعادة وعافية..
في مكان بعيد أتذكر جيدا تلك المرأة التي كانت تتسول المال وحين قلت لها ليس معي شيء أشارت لقارورة ماء كنت أحملها تريدها فحمدت الله.. وذلك الطفل الذي التقط علبة الآيس كريم حين رماها طفلي فأدركت قيمة نعمة الله..
خرجوا أطفالي كانت معهم ابنة أخي سألتني ببراءة : عمه ماهي نكهة الآيس كريم التي تفضلينها عندما كنت صغيرة؟
هممت أن أقول لها ياصغيرتي حتى الكبار يحبون الآيس كريم فتفاجأت بشيخ كبير في السن يخرج من المحل يأكل آيس كريم ويبتسم … ضحكت وقلت لها:فانيلا بالشوكلاته
ردت بسخرية (قلوده!!!)