Archive for 16 أبريل, 2017

تصخر!

أبريل 16, 2017

تصخر!وضع الكرسيين الصغيرين والطاولة الصغيرة على رصيف الرسامين بجانب الطريق العام وبدأ يخرج الألوان وفرش الرسم ، ثم جلس ينتظر أحدهم ليمنحه فرصة رسم ملامح وجهه .

في الحقيقة لم يكن يرسم ملامح الوجوه، ولكنه كان يرسم آثار مرور الحياة عليها، فلطالما آمن أن الذي يعيش الحياة لابد أن ترسم على وجهه أثر، قد تترك الحياة على وجه أحدهم ابتسامة مائلة تحكي قصة خذلان عاشها، أو ربما تترك على وجه أحدهم نظرة حزينة تخبر أن الحياة لم تعبأ بقلبه حين مات له صديق أو حبيب، كثيرون الذين قام برسمهم وقد تركت الحياة على وجوههم أخاديد تحت أعينهم أو أعلى جباههم تحكي كيف كانت قاسية ومتجهمه معهم ، ذات مرة جاءه شاب غني رأى في تورد خديه وإمتلائهما كيف كانت الحياة لطيفة وسخية معه ، حدث أيضا وجاءه شخص يملك نظرات مرتابه حكت له عدد المرات التي تذوق فيها طعم الخديعه، وضع الأوراق وقلم الرصاص على الطاولة الصغيرة وهو ينتظر، لعل أحدهم يأتي ويكرمه بقراءة تفاصيل حياته على وجهه، انتظر قليلا ثم أقبل عليه أحدهم جلس ببرود على الكرسي الذي أمامه، نظر إليه نظره لم يفهم شيء منها ، ثم أخرى أكثر تفحصا ولم يجد أثر ، لا أخاديد ولاتورد خدين ولا ابتسامة ، لا شيء يدل على أن هذا الشخص في يوم ما ابتسم أو بكى أو حتى غضب ، وجهه لا يدل على أنه عانى فقر، أو حتى ذاق غنى، أو حتى كان من أصحاب الطبقة الكادحة، أطال النظر إليه ابتسم له عبس أغلق عينيه وفتحهما لعل وجهه يبوح بشيء لكن وجهه ظل جامدا بلا تعابير!

أخيرا قرر أن يرسمه لكنه استغرق وقتا طويلا في أن يجعل الصخرة التي رسمها مصقولة جيدا!

Advertisements

كتاب “عقل غير هادئ”!

أبريل 8, 2017


كتاب “عقل غير هادئ”!
كتاب تتحدث فيه مؤلفته عن تجربتها الشخصية مع مرض المبدعين -ذهان الهوس الإكتئابي”الإضطراب الوجداني ثنائي القطب” – 

جاء الكتاب كسيرة ذاتية أزالت بها الكاتبة القناع عن حياة الأشخاص المصابين بهذا المرض “ذاتك هي ذاتك ، والخداع عبر الإختباء خلف درجة علمية، أو لقب علمي ، أو أي سلوك وعبارات منمّقة، لا يزال تماما: خداعا. ربما كان ضروريا ولكنه خداع”

تبدأ المؤلفة كاي ردفيلد جاميسون الكتاب بفصل تتحدث فيه عن طفولتها ووالديها ونشأتها وتشير إلى أن “المزاج الحاد يجعل الشخص حساسا سريع التأثر بقاتلي الأحلام، وكنت أسعد مما أظن، لأني نشأت بين طموحين ومحبين للطموحين” وتسرد من خلال هذا الفصل أعراض أول نوبة ذهان أصابتها ” عندما بدأت النوبة، بدأ كل شيء سهلا، كنت أجري بسرعة مثل ابن عرس مجنون : منطلقة بخطط حماسية، ومنهمكة في الرياضة، وأسهر طوال الليل، ليلة بعد ليلة، وأخرج مع الأصدقاء ، وأقرأ كل شيء يقع تحت يدي، وأكتب شعر ومسرحيات، وأضع خططا مفصلة مترفة وغير واقعية لمستقبلي. العالم كان-بالنسبة لي-مليئا بالسرور والأمل ، وشعرت أنني رائعة، ليس مجرد رائعة ، لقد شعرت أنني رائعة بالفعل. لقد شعرت أنني أستطيع أن أصنع أي شيء … لقد كان عقلي يبدو صافيا ، ومركزا بشكل خرافي، وقادر على عمل عمليات حسابية حدسية”

وبعد كل هذا الوصف تعلق أن هذه النوبة الأولى كانت لطيفة وبمثابة مسحة مخففة فاتنة للهوس الخفيف مقارنة بما جاء بعدها من نوبات!

ثم تذكر بعد ذلك أن بعد كل نوبة ذهان تعقبها نوبة إكتئاب وتصف حالها حينها “لم يعد عقلي قادرًا على التركيز الفكري، وأصبح يدور حول موضوع واحد هو الموت: ما أهمية الحياة؟ الحياة قصيرة وعديمة المعنى، لماذا نعيشها؟ كنت منهكة تماما، وبالكاد أستطيع سحب نفسي من السرير في الصباح…”

ثم تلخص كل هذا في مقولة لهيوغو وولف”أبدو أحيانا نشيطا، ومبتهجا، وسعيدا، أتكلم أمام الآخرين على نحو معقول تماما. ويبدو كما لو أنني شعرت ، أيضا أن الله يعلم بحالي الذي تحت جلدي. ومع ذلك الروح تحافظ على رقادها الميت، والقلب ينزف من ألف جرح!”

وتستمر المؤلفة في الحديث عن تعليمها والمعاناة التي لاقتها خلاله ثم تنتقل إلى الفصل الثاني الذي تتحدث فيه عن أعراض المرض بشكل مفصل عن طريق سرد صور من سيرتها الذاتية والأعراض التي تنتابها وتذكر في الفصل الأسئلة التي من خلالها شخص الطبيب مرضها النفسي”كم ساعة تنامين؟ هل لديك مشاكل في التركيز؟ هل تتكلمين أكثر من المعتاد؟ هل طلب منك أحد أن تبطئ ، أو قال لك إنه لا يفهم ماتقولين؟ هل تشعرين بضغط ما للكلام بصورة مستمرة؟ هل تشعرين أن لديك طاقة أكثر من المعتاد ؟ …”

ثم بعد ذلك تنتقل إلى وصف الحيوية والإبتهاج والثقة المطلقة التي كانت تشعر بها والتي جعلت من الصعب عليها جدا أن تعتقد أن هذا المرض يجب عليها التخلي عنه وأن عليها الإستمرار في أخذ هذا العلاج ولذلك كانت تعاني نوبات أشد قسوة في كل مرة تترك فيها العلاج وهذا أمر طبيعي لأن الدراسات أثبتت أن ذهان الهوس الإكتئابي لا يعود وحسب في حال ترك العلاج ولكنه يعود في هيئة أكثر عنفا وتكرارا !

ثم تستمر بعد ذلك في وصف أعراض المرض ومرات محاولات الإنتحار التي كان يقودها إليها المرض وتؤكد على أن الحبوب وحدها لا تريح، ولا تقدر أن تريح الشخص في العودة إلى الواقع ولكن ينبغي على المريض أيضا تلقي العلاج النفسي إلى جانبها والذي يعتبر هو الملاذ.

ثم يأتي بعد ذلك الفصل الثالث والذي تتحدث فيه المؤلفة عن الحب وأثره في مسيرة علاجها وحياتها “إن تاريخ حناننا وحده هو مايجعل من الممكن احتمال هذا العالم”

وأخيرا في الفصل الرابع تتحدث المؤلفة عن المرض حديثا علميا وعن علاقته بالوراثة وإمكانية إنجاب الأطفال والمصطلح العلمي للمرض.

الكتاب قيم جدا وقد جاء بلغة سردية رائعة وصريحة وشجاعة وفِي ثناياه جاء ذكر عدد من الشخصيات التاريخية الذين تبين أنهم عانوا هذا المرض أمثال: أبراهام لنكولن، وثيودور روزفلت، ونابليون بونابرت ، والإسكندر الأكبر، وإسحاق نيوتن، وبتهوفن، ومارك توين، وفنسنت فان غوخ ، وغيرهم.