فطرة! (الجزء الرابع)

حياة.أن تعيش يعني أن تختبر أمورًا لا أن تتقاعس وتفكر في معنى الحياة.

                                                        *باولو

 

 

 

 

 

 

 

شاع في المدينة حكاية رجل جاء من غابة مجاورة وقد رأى فيها فرسًا تشع ناصيتها نورًا, قال بعض الناس: أنَّ الرجل مجنون خُيِّل إليه, وقال بعضهم: ربما رأى مخلوقًا فضائيًّا, بينما قال آخرون: إنما هو ملاك نزل من السماء,لم يكن الخبر ذا أهمية لسكان المدينة إلا أنَّه ما إن طرق باب بيت جوزيف الذي بدا أكبر عمرًا،وأضعف قوة هو وزوجته إلا وبعث فيهما الأمل بوجود ابنهما من جديد وأنَّه لازال على قيد الحياة..

وعلى الفور اتجه جوزيف وزوجته نحو الغابة التي ذكرها الرجل في حكايته بحثًا عن ابنهما..

بحثا وبحثا إلى أن فقدا الأمل, وحين قررا العودة إلى منزلهما بدت لهما مهرة صغيرة تضيء ناصيتها كادت تسلب عقليهما بجمالها, اتبعاها وفي طريقهما كانا يمران بأحجار وأشجار وحشائش مضيئة, وكلما دخلت المهرة الصغيرة إلى أعماق الغابة ازدادت الأضواء توهجًا, إلى أن وصلت المهرة إلى قطيع من خيول نواصيها تضيء, كان يبدو عليها الاضطراب وأنَّ حديثًا مهمًا يدور بينها, فاختبئا يراقبان في دهشة وحذر لعلهما يريان ابنهما,سمع جوزيف صوتًا خلفه والتفت وراءه فوجد نورًا ينظر إليهما في حيرة..

شاب صغير تكاد عظامه تتحرر من جلده من شدة الهزاليرتدي شعر ماعز برييختبئ خلفه قلب يضيء،له عينان خضراوان، وشعر أشقر منسدل على أكتافه..

صاحت إيفابنبرة تختلط فيها مشاعر الذهول والسعادة حين رأته وهمَّت أن تضمه إلى صدرها, لكنها خافت أن يهرب منهما فعدلت عن ذلك, اقترب منه جوزيف ابتعد نور فتراجع جوزيف، وقال له:

– نور أنا والدك!

بدت معالم الدهشة على وجه نور حين سمع صوت إنسانٍ يتحدث!

تذكر جوزيف كلام الفيلسوف عن (الأطفال الوحشيين) فحاول أن يتحدث معه بالإشارة, أشار إليه إلى قلبه فانتبه نور أنَّ قلب جوزيف لا يضيء مثله فخاف, اقتربت إيفا من نور ووضعت يدها المضيئة على قلبه, فابتسم نور وكأنَّ خوفه بدأ يزول أخذت إيفا تهجئته: ماما، ماما.

نظر إليها يحاول تقليدها فنطق بصعوبة: ماما!

دمعت عينا إيفا وهي تمسك بيده وتضمها إلى صدرها،ثم أخرجت له ملابس قد أحضرتها معها,في البداية قاومها لكنه ما لبث أن ارتدى الملابس بمساعدتها وقد بدت أكبر منه بكثير لكنها أخفت النور الذي يشع من قلبه.

أمسكت بيده فسار معها إلى مدينة تلدا…

 

 

 

 

 

 

 

 

حين دخلوا المدينة واستقبلت نور المباني اتسعت عيناه في ذهول لما رأى من علوها وضخامتها, فصار يختبئ خوفًا منها وراء أمه ويتمسك بهاإلى أن وصلوا المنزل..

وهناك كانت مهمة إيفا صعبة للغاية,علَّمته كيف يأكل بيده, وكيف يستحم, وكيف يرتدي ملابسه,كانت أكثر صعوبة واجهتها تعليمه كيف يتكلم,قضت في ذلك شهورًا عانت الكثير معه,كان سريع التعلم لكنه كثير الخلوة بنفسه كثير التأمل, لا ينقاد لأوامرها بسهولة.

أصبح جوزيف سعيدًا جدًا بما أحرزته نورا من تقدم في تعليم ابنهما, لكنه في ذات الوقت حزين عليه؛ لأنَّه كثير الانطواء على نفسه، قليل الاختلاط والحوار معهما.إلى أن جاء ذاك اليوم الذي جلس فيه جوزيف مع نور وحدَّثه بكل الذي حدث له من ولادته إلى أن اختفى في الغابة, لكن حديث والدهلم يروِ ظمأه للمعرفة,فجوزيف رجل عاش وسط آلة المدينة وبدا كقطعة منها, ونور الروح المتأملة التي مُلِئت تساؤلات تبحث عن شيء آخر سرقته المدينة من سكانها, شعر جوزيف بأنَّ ابنه يحتاج لحديث مختلف عن حديثه فقرر أن يأخذه إلى الفيلسوف الذي كان على فراش المرض..

دخل جوزيف وابنه على الفيلسوف الذي كان مُزجى على السرير يصارع المرض.

انبهر الفيلسوف حين رأى نورًاولم يصدق أنَّه مازال على قيد الحياة, رحَّب بهما وأمرهما بالجلوس, وحين أراد نور الجلوس أخرج معطفه ووضعه جانبًا ذُهِل الفيلسوف لما رأى النور الذي يشع من قلبه, حاول أن يقوم من مكانه لكنه عجز عن ذلك. بدا وكأنه يشعر بقرب الموت وينتظر أحدًا ليوصيه، ورأى أنَّ نورًا هو الشخص المناسب لذلك فقال له:

يابني لقد أصبح كل مَن في هذا العالم يلهث يشق طريقًا خاصًّا به, وهو على يقين أنَّه هو الطريق الصواب نحو الهدف الذي ننشده جميعًا, بينما الكل في الحقيقة مجرد قطعة تكمل آلة المدينة التي لا تكف عن الحركة..!

يابني لقد أمضيت عمري في قراءة الكتب ومطالعة مافيها, قرأتُ للفلاسفة كثيرًا حتى تشبعتُ بآرائهم, هؤلاء الفلاسفة إما لاوجود لهم، أو هم أشقى أهل الأرض؛فالارتياب في أمور تهمنا معرفتها وضع شاق بالنسبة للعقل البشري.

نور سأعترف لك بعد كل هذا العمر الطويل أنني لم أجد عند الفلاسفة مايجيب على أسئلة كثيرة أبحث عن إجابتها منذ أن أدركت, لكنك يابنيبلا شك تمتلك كل هذه الأجوبة بقلبك المضيء وفطرتك النقية.

كان نور يستمع إلى الفيلسوف بكل جوارحه, وحين انتهى من حديثه قال بصوته الرخيم:

سيدي الفيلسوف: لقد تعرَّضتُ في الغابة إلى مصائب كثيرة, ولكنني لم أشعر قط بمثل الذي شعرتُ به حين كنت أنتقل من شك إلى شك بحثًا عن الحقيقة في عين الطبيعة.

رد الفيلسوف وهو يسعل كأنه على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:

يابني، وصيتي إليك ما يطمئن له قلبك اقبله دون تردد, واجعله حقيقة بديهية وكل ما يترتب عليه فهو صحيح…

اشتد سعال الفيلسوف فأسرع إليه جوزيف يسقيه الماء, دخل الخادم عليهما وبلطف طلب منهما ترك سيده ليرتاح, وبالفعل خرجا وتركاه وراءهم وقد ازداد سعاله شدة وكأنه على وشك الرحيل, ولكن كلماته لازالت باقية تتردد في صدر نورالذي أصبح يردد بينه وبين نفسه ما قاله الفيلسوف:

(ما يطمئن له قلبك اقبله دون تردد واجعله حقيقة بديهية وكل ما يترتب عليها فهو صحيح).

 

يتبع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: