فطرة! (الجزء الثاني)

 الفيلسوف..

( إنَّك لا تستطيع أن تتعلم إلا حين تُعلم).

باولو*

 

 

 

 

طرق الباب ففتح له الخادم سأله عن رفيقه فرد عليه: في المكتبة.

في أقصى المكتبة وعلى الأرض كان ثمة شيخ كبير يجلس القرفصاء، أشعث الرأس، ذو عينين ذابلتين وقد احتضن بيديه كتاب يقرأ..!

– صباح الخير..

– صباح الخير..

تعانقا..

– تفضل… منذ زمن لم أراك.. لماذا كل هذا الغياب؟

– هكذا هي الحياة تأخذنا حتى من أنفسنا لكنها ما تلبث أن تعيدنا إليها..

– أهلًا بك وبعودتك.

– لكني هذه المرة أتيتك سائلًا لا زائرًا.

– على الرحب والسعة.

– الحقيقة أنَّ زوجتي أنجبت طفلًا.

– خبر جميل.

– لكنه ليس عاديًّا.

– وما الغريب فيه؟

– قلبه يضيء!

وقف الفيلسوف في دهشة وهو يقول:

– يا إلهي..!

أكمل جوزيف:

– وحين ألقمته أمه ثديها أضاء، وحين حاولت لمس مصدر الضوء في قلبه أضاء.. وبمجرد ملامستها ليديه أضاءت يدها..!

بدت كل علامات الدهشة والحيرةعلى وجه الفيلسوف, وأخذ يهرش رأسه ويذرع المكان ذهابًا وعودة وهو يفكر، وبعد صمت طويل قال:

– هذا الطفل لا يمكن إلا أن يكون أعجوبة.

إذ ليس من الممكن أن يكون نبيًّا أو ملاكًا أو ساحرًا أو أي شيء آخر,ولا أعتقد أنَّ ثمة شيء يمكن أن يُفسِر لنا ماذا يمكن أن يكون هذا الطفل إلا مراقبته..!

– تعني أنَّه لا حل أمامنا إلا أن نضعه تحت مراقبتنا؟

– نعم، وتوافيني بكل جديد وأنا سأبحث في الكتب التي بحوزتي لحل هذا اللغز..!

– إذن سأتركك وسنلتقي مره أخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت الأم تضع طفلها جانبًا على طاولة المطبخ وقد كشفت عن قلبه المضيء مستغنية بضوئه عن ضوء الكهرباء, تغسل الأطباق وسط رائحة الصابونفي سعادة غامرة بطفلها المختلف والذي بدأت تشعر معه بتميزها عن نساء العالمين, رنَّ الهاتف فالتفتت نحوه وهي تسأل نفسها مَن سيكون المتصل؟

حين رفعت سماعة الهاتف ووصل إلى سمعها صوت جارتها شعرت بحجم المأزق الذي هي فيه قالت بنبرة تصطنع فيها السعادة وهي تنظر إلى طفلها:

– مرحبًا كنت في انتظارك.

خُيِّل إليها أنَّ شدة الضوء الذي يشع من طفلها انخفضت وبدأ الطفل في البكاء, شعرت بالرعب.

حاولت أن تتلطف مع جارتها واستأذنتها بأنَّهامشغولة وستُعيد الاتصال بها لاحقًا,

أغلقت سماعة الهاتف واتجهت إلى طفلها, تأكدت بالفعل أنَّ شدة الضوء قد انخفضت,وضعت يدها على قلبه تتحسسه فوجدت نبضاته قد اضطربت, رفعت يدها في توجس وذعر فدخل عليهما والد الطفل الذي لاحظ ماهي عليه فسألهامابالك مذعورة؟ فحدثته بما جرى..

لم يستطع أن يتحدث بشيء لوقت طويل,كان كل ما بوسعه هو تأمل الطفل بصمت..

بعد صمت طويل سألها:

– هل صدر منك خطأ؟

سكتت للحظات ثم أجابت:

– لا أتذكر شيء سوى أنِّي كذبت على جارتي!

رد بقوله:

– هذه هي: لقد كذبت! يبدو أنَّ هذا الطفل هو صورتنا النقية التي نولد عليها، ثم تشوهها أخطاؤنا..

وضعت يدها على فمها وهي تقول ما العمل إذن! لم نُخلق ملائكة ولابد أن يقع منا الخطأ..

قال لها في أسى:

– يبدو أنَّ هذا الطفل لن يعيش طويلًا، وأنَّ هذا الضوء سيخبو وتنتهي معه حياته.

أجهشت بالبكاء وهي تقول: طفلي..طفلي..

وضع يده على كتفها وهو يقول: هذا قدرنا ولا مفر من الأقدار, حاولي قدر الإمكان تجنب الخطأ أمامه وأبعديه عنا حتى نرى ماذا يمكن أن نفعل من أجله؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جوزيف ابن مدينة تلدا التي تحدها الصحراء من يمينها والغابة من يسارها رجل عصامي يحب عمله جدًا, يمتلك عينين زرقاوين, ورأس حين تراه تشعر لأول وهلة أنَّهلم يعرف الشعر يومًا ما,بدين بعض الشيء, يحلو لزملائه تسميته بالجرافة, وهذا اللقبيشعره بالفخر؛ لأنَّه تعبير من زملائه عن إعجابهم بقوته وصبره على العمل إذْ هو ملجأهم في المهام الصعبة….

دخل جوزيف مكتبه وهو غارق في التفكير في ماذا يمكن أن يفعل من أجل هذا الطفل, استقبله سلمان صديقه الأسمر الفارع الطول بابتسامة وهو يسأله عن أحواله, رد جوزيف الابتسامة بمثلهاوطمأنه أنَّه بخير,استوى جوزيف على كرسيه وهو يحدث نفسه: سلمان ابن الإسلام الحديث هل يمكن أن أجد عنده تفسيرًا لما يحدث لطفلي؟ همَّ أن يخبره لكنه عدل عن ذلك, وفكر أن يطرح استفساره كموضوع عام قال:

– سلمان هل يولد الطفل على دينكم أم أنكم مَن يُلقِّنه الدين؟

استدار سلمان الذي كان يهم بالخروج باتجاه جوزيف وهو يحدثه بحديث بسيط:

– يولد كل طفل في كل مكان وزمان على الفطرة.

– فطرة! قالها جوزيف وهو يحاول أن يفهم معناها ويستحثه على الحديث,لكن سلمان كان على عجالة من أمره فخرج وترك جوزيف يكرر كلمة فطرة في حيرة..!

 

 

 

 

كان صديق جوزيف الفيلسوف ذو العينين الذابلتين يجلس على مكتبه حين ذكر له ما قاله عن الفطرة التي حدثها عنه صديقه المسلم..

قال لنبحث هنا عن معنى فطرة:

نقر الفيلسوف على الجهاز الذي أمامه وبدأ يقرأ،ثم قاللصاحبه بعد قراءة طويلة: أمامي الآن سبع آراء عن الفطرة التي حدَّثك عنها صديقك المسلم.

وكلها تُفسِّر حديث لنبيهم محمد يقول فيه: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).

رد جوزيف في حيرة:

– أكاد أجن! .. هذا الأمر كلما قلتُ أنني سأجد له حلًا يزداد تعقيدًا, سبع آراء ما الذي يدريني أيهم أصح؟ وكيف يمكن لي أن أنقذ فطرة طفلي الصغير إن كانت بالفعل هي الذي يشع منه؟في حين أنَّ الحديث الذي ذكرته يبين أنَّ الأبوين هم مَن يُغيِّر فطرة طفلهم؟

أطرق الفيلسوف قليلًا ثم قال:

دعك من كل هذا, واسمع حديثي:

الفطرة التي تشع من قلب طفلك هي قبوله لكل خير يمكن أن يواجهه,هي قدرته على معرفة الحقيقة,الفطرة التي سنحافظ عليها بعيدًا عن كل شر هي التي سنتعامل معها.

– وكيف نتعامل معها؟

– اسمع ياصديقي: يجب أن تهرب بهذا الطفل يجب أن تضعه في كهف وسط الغابة بعيدًا عن كل هذا العالم المجنون وإلا سيُكتشف أمر هذا الطفل ولن يعيش طويلًا.

– هل جننت؟!

– إنَّه حي بن يقظان جديد, لكنه نور جوزيف ابن المدينة الصغيرة تلدا، ويجب أن تحافظ عليه فاختر بين حياته وموته.

رد جوزيف في حزن:

– يبدو أنِّي سأختار حياة طفلي وفطرته النقية.

أخذ جوزيف قصة حي بن يقظان بيده وخرج وكأنه يحمل هموم الدنيا وليست مجرد قصة نسجها خيال ابن طفيل…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

على مكتبه العتيق وتحت الإضاءة الخافتة جلس جوزيف وقد أعياه السهر يتصفح رواية حي بن يقظان يبحث بين أسطرها عن الحل الذي ينشده لإنقاذ طفله الصغير…

دخلت عليه إيفاوهي تحمل الطفل بين يديها فأضاءت الحجرة بضوء فضي وكأن كوكب صغير قد أشرق عليها, فبانت عينا إيفاالخضراوان وخصلات شعرها الشقراء التي تغطي جانبي وجهها,وضعت طفلها على طاولة المكتب وهي تنظر إليه بحب وحنان الأم.

سألت جوزيف:

– ما الذي تحمله بين يديك ؟

رد بملل:

– رواية ابن طفيل حي بن يقظان أحاول أن أفهم ماذا يريد أن يقول لي صديقي الفيلسوف حين أمرني بقراءتها؟!

أخذت الرواية من بين يديه، ثم قالت وهي تختصر له الرواية في كلمات قليلة:

– حي بن يقظان إنسان وُلِد في عزلة عن البشر,فدلَّه التأمل إلى المعارف كلها,حتى أنَّه أدرك بتأمله حقيقة أنَّ هذا الوجود له إله يُدبره, وحين التقى برفيقه (أسأل) اختلط ببني البشر أدرك أنَّ حقيقة أكثرهم حيوان ناطق في صورة إنسان فقرر العودة هو ورفيقه إلى عزلتهما والبقاء وحيدين إلى أن ماتا..

هذه هي رواية حي بن يقظان باختصار, وأعتقد أنَّ صديقك الفيلسوف يريد أن يقول لك: أنَّ الحل مع هذا الطفل هو العزلة عن هذا العالم الموبوء.

– وكأنك تسمعين الحوار الذي دار بيننا بالفعل هذا هو ما قال له لي.

قال لي أن أذهب بهذا الطفل وأضعه في كهف في الغابة بعيدًا عن هذه المدينة!

ردت في غضب:

– وهل جننتَ حتى تفعل مايقول؟

– ليس أمامنا لإنقاذ حياته إلا هذا الحل وسنفعل.

قالت بصوت يملأه الغضب وقد ارتفعت نبرته فعلا صياح الصغير:

– لن أفعل لن أفارق هذا الطفل ماحييت, هذا طفلي.. طفلي..هل تعرف ماذا يعني طفلي؟

أخذت طفلها على عجل وهمَّت بالخروج..

قال لها وهو يتوسل إليها:

– أرجوك انتظري.

التفتت إليه، وهي تقول:

– تأكد بأنَّمصير هذا الطفل هو مصيري, ولن أتخلى عنه ماحييت.

قال وهو يصطنع الهدوء:

الحل الوحيد الذي أمامنا هو أن ننتقل جميعًا إلى كهف وسط الغابة ونتوخى الحذر في أفعالنا حتى يمكننا الحفاظ على حياته..!

 

 

 

 

 

يتبع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: