فطرة! (الجزء الثالث)

 مدرسة الطبيعة.

في الريف, كنتُ أحس وجود الله, أكثر مما كنت أحسه في باريس. وكنتُ كلما التصقت بالأرض ازددتُ قربًا منه. وكانت كل نزهة صلاة.

                                             *سيمون

 

 

 

 

 

 

كهف صغير فوهته لا تكاد تتسع لدخول شخص واحد لكن تجويفه يتسع لعائلة مكونة من سبعةأشخاص, تحفه الأشجار من كل اتجاه حتى تكاد تغطي مدخله, أمامه بحيرة صغيرة تجتمع الطيور والحيوانات البرية عليها لتروي عطشها كل حين..

هذا هو المكان الذي قرر جوزيف أن يبقى فيه مع طفله وزوجته, حين دخلت الأم الكهف تحمل الطفل بين يديها انعكس ضوؤه على بعض جدران الكهف فبانت بعض الرسومات التي تؤكد أنَّ هذا الكهف كان سكنًا لأحدهم يومًا ما.

رتَّب جوزيف وزوجته أمتعتهم القليلة في الكهف, ثم جلسا يتحدثان كيف يمكن أن يتدبرا أمر معيشتهم, واتفقا أن تبقى هي وطفلها في الكهف ويتوجه جوزيف إلى المدينة أيام العمل ويعود إليهما في كل إجازة نهاية كل أسبوع, في البداية خافت إيفا وترددت لكنها مالبثت أن اقتنعت أنَّ هذا هو الحل الوحيد الذي ستستمر معه حياتهم.

سارت حياة العائلة في الكهف كأي عائلة اعتادت حياة الريف ينتابها الخوف من الحيوانات المفترسة,لكنها في كل مرة تتغلب على خوفها وتقاوم من أجل البقاء.

الكثير من الذئاب ماتت بسلاح الأم الخائفة على ابنها والكثير من الثعابين كذلك. أمضت الأم سنين وهي تعيش وسط الغابة تسهر على راحة طفلها, وتحاول ألَّا تقترب منه كثيرًا إلا لحاجة,علمته كيف يتصفح كتاب الطبيعة, وكيف يتأمل كل ماحوله, تُخرجه تحت أشعة الشمس وزخات المطر، وتُريه الحيوانات البرية وتُلقِّنه أسماءها, وفي الليل حين تنتشر النجوم على خد السماء تأخذ إيفا طفلها ليعدا النجوم سويًّا, وكم منالصخور التي أضاءت حولها حين يلمسها الصغير بيده,وكم من شجيرة تستحيل إلى شيء أشبه بالسحر حين تتحول وريقاتها إلى وريقات تشع ضوءًا فضيًّا جميلًا, لكنها كانت حريصة كل الحرص على ألا يتعدى تأثيره الكهف حتى لا يستدل أحد على مكانهم, إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غادر فيه الطفل ذو الثلاث سنوات كهف والديه…

ذات صباح استيقظت الأم فلم تجد طفلها بحثت عنه قرب الكهف والبحيرة ولكنها لم تجده لقد اختفى…!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قرب البحيرة كانت هناك مهرتان صغيرتان ترويان عطشهما حين خرج الطفل من الكهف فاتجه نحوهما,لم تنفر منه المهرتان فقد بدا وديعًا في أعينهن بضوئه الفضي الجميل, أقبل عليهما.. قالت إحداهما للأخرى:

– يبدو أنَّه ملاك صغير!

ردَّت الأخرى وهي تتجه نحوه:

– أظن أنَّ جمالًا كهذا الجمال لا يمكن أن يكون إلا ملاكًا!

حين اقتربت المهرة الصغيرة من الطفل انحنت إليه برأسها كأنها تبادله التحية فمدَّ يده إليها يداعبها فأضاءت ناصيتها ضوءًا فضيًّا زادها جمالًا على جمالها.

– ياللروعة! صاحت المهرة حين رأت أختها وقد أضاءت ناصيتها.

خافت المهرة الصغيرة وأخذت تهز رأسها تحاول أن تطفئ الضوء وعجزت، فقالت لأختها:

– ماذا الذي حدث لي؟

– لا شيء سوى أنَّالملاك باركك! تبدين أكثر جمالًا.

لكنها لم تُعِرْ كلامها اهتمامًا فهربت وسط الغابة تبحث عن والديها..

همَّت أختها أن تلحق بها لكنها حدَّثت نفسها كيف تترك هذا الملاك الصغير وسط هذه الغابة ستفترسه الوحوش الضارية لا محالة, اقتربت منه وبصعوبة بالغة وبعد محاولات عدة استطاعت أن تحمله على ظهرها ولحقت بأختها..!

كان قطيع الخيول البرية قد اجتمع استعدادًا لمغادرة الغابة إلى غابة أخرى؛ وذلك لأنَّ مصادر المياه قد شحَّت فيها, أقبلت المهرة الصغيرة يسبقها ضوؤها.

كانت إلكسندرا حينها تتحدث إلى قطيعها, وحين رأت الخيول المهرة بدأت بالصهيل.

صاحت إلكسندرا في بقية الخيول تستحثهم الهدوء لتطمئن على صغيرتها.

– يالجمالها!

– تبدو كملكة!

– أظن أنَّه قد مسَّها سحر!

– إذن ستموت لا محالة!

– مسكينة والدتها لم تتمتع برفقتها كثيرًا.

صاحت إلكسندرا زعيمة القطيع مرة أخرى:

– أرجوكم الزموا الهدوء!

هدأ القطيع, فأقبلت المهرة الأخرى وهي تحمل الصغير على ظهرها, فعادت الفوضى من جديد البعض يصرخ:

الساحر!الساحر!

والبعض يقول:

الملاك!

اتجهت إلكسندرا إلى صغيرتها تسألها ماالذي حدث؟ وهي تحاول أن تُهدِئ من روعها.

حدَّثتها الصغيرة بماحدث وكيف انتقل الضوء إلى جبين أختها، وكيف أنَّها لم تستطع ترك هذا الطفل لتأكله الحيوانات المفترسة..

نظرت إليه إلكسندرا فرأت فيه طفلًا بريئًا كملاك صغير يشع ضوءًا, ثم بدأت تتحدث إلى القطيع:

– أيتها الخيول البرية إنَّ أكثركم قد شاهد بني البشر وهذا الطفل الصغير في هيئته لا يمكن أن يكون إلا بشرًا منهم, لكن الله قد وهبه هذا النور ميزة له عنهم,وإني لأظنه بشرًا مباركًا ولن أدعه هنا بين هذا الحيوانات المفترسة لتأكله,سنضمه إلى قطيعنا وسأتولى رعايته، فما قولكم؟

ساد الصمت على القطيع طويلًا حتى تحدَّث الحصان ألبرت قال وهو يخفي غيرته من هذا الطفل الذي سيحظى برعاية إلكسندرا:

– ولكنني أخشى على بقية القطيع منه, انظري إلى مادلين كيف أصبح جبينها أخشى أنَّه أصابها بسحر!

اقتربت إلكسندرا أكثر من صغيرتها لمست جبينها سألتها بلطف هل تشعرين بشيء؟

ردت مادلين:

– لا.. أنا بخير!

عادت إلكسندرا للحديث مجددًا:

– أرى أنَّ مادلين بخير وقد زادها النور جمالًا على جمالها؛ لذا سأحتفظ بهذا الطفل بعد إذنكم طبعًا!

ثم أصدرت أوامرها بالانطلاق وبدأت رحلة الخيول البرية بحثًا عن الماء وبرفقتهم الطفل نور تاركًا وراءه والديه يبحثان عنه…!

 

 

 

 

 

لم يترك جوزيف وزوجته مكانًا إلا بحثا عن طفلهما فيه, حتى بدأ يتسلل إليهم اليأس من وجوده, شهر كامل وهما من الصباح حتى المساء يبحثان عنه في كهوف الغابة وبين أشجارها حتى البحيرات الصغيرة التي كانت على وشك الجفاف كانا يخوضانها على أمل العثور عليه حتى ولو كان جثة هامدة.

بعد كل هذا العناء والتعب فكر جوزيف أن يخبر صديقه الفيلسوف الذي انقطع عنه منذ أن سكنوا الغابة, وبالفعل ذهب إليه وأخبره بكل ماجرى لهما،فكَّر الفيلسوف ثم فكَّر وبعد تفكير طويل قال:

– لا أظن أنَّ هذا الطفل قد مات؛ لأنَّه لوكان كذلك لوجدتما جثته حتى وإن افترسته وحوش الغابة لابد أن تجدا عظامه,في ظني أنَّه الآن برفقة ظبية أو حيوان آخر ينعم بحنانها.

رد عليه جوزيف في سخرية:

– يبدو أنَّ تأثير العمر بدا واضحًا عليك,كيف يمكن لإنسان أن يعيش وسط الحيوانات؟ … هل جننت؟

– نظر إليه الفيلسوف ثم قال في استعلاء:

– ما أقوله مبني على حقائق علمية تعال معي لأريك.

جلس الفيلسوف على مكتبه ونقر على جهازه، ثم قال:

– هذا بحث يتحدث عن ظاهرة (الإنسان الوحشي) أو (الأطفال الوحشيون) أحصى الأستاذ ليـسـيانمـالـصونLucien Malsonفي كتابه: «الأطفال الوحشيون الأسطورة والحقيقة» اثنين وخمسين واقعة من وقائع التوحش الإنساني المكتشفة، أما اليوم فقد بلغت ضعف هذا العدد!

– كلام جميل يبعث الأمل فيّ وفي والدته أنَّه لا زال على قيد الحياة.

– لكنك يجب أن تجعل في ذهنك أنَّك كلما تأخرت في إيجاده سيكتسب الكثير من الصفات الخُلقية للحيوانات التي يعيش معها.

اُنظر هنا..

وبدأ يقرأ:

إنَّ كل عزل تام لأي طفل يشي بفقدانه لأولياته الصلبة، أي لقابليات التكيف النوعي. هذا ما تشهد به وقائع الأطفال المحرومين باكرًا من كل الصلات الاجتماعية، أولئك الذين نسميهم «وحشيين». فهؤلاء يبقون في وحدتهم يتلاشون إلى حد يبدون فيه مثل بهائم مثيرة للشفقة، في الدرك الأسفل من الحيوانية، وعوض أن نجدهم في حال من الطـبيعة تـسـمـح بظهـور الإنسان في مراحله البدائية الأولى كما افترضها أصحاب نظريات التطور، نجد أنفسنا أمام حالة شاذة تتحول فيها كل دراسة نفسية إلى دراسة تشوهات.

– هل تعني أنَّ طفلي سيفقد إنسانيته؟

– بناء على هذا النظرية نعم، وهذا يعتمد على مدى قابلية طفلك للمؤثرات التي ستواجهه،وبالزمن الذي سيقضيه وسط هذه الحيوانات.

 

أمسك جوزيف رأسه بكلتي يديه وهو يقول:

– أكاد أجن ازداد الأمر تعقيدًا كنتُ أبحث عنه لأنقذه من الموت, وأصبحتُ الآن أبحثُ عنه لأنقذه من الموت، وأنقذ ماتبقى له من فطرته!

قال له الفيلسوف وهو يحاول أن يهدئه:

– تقصد تنقذه من الموت، وتنقذ مظاهر إنسانيته أما فطرته فهذا شيء آخر..

– ماذا تعني؟

– لازلت مصر على أنَّ فطرة الإنسان تبقى معه حتى وإن نشأ وسط الحيوانات وتشوه مظهرهحتى وإن خالفت الأستاذ ليـسـيانمـالـصون فيماذهب إليه.

– وإلى ماذا ذهب الأستاذ ليـسـيانمـالـصون؟

– لقد اختار أن يُعرِّف (الإنسان) بأنَّه: “كائن لـه تاريخ، أو بالأحرى هو نفسه تاريخ”. وقصده بذلك: أنَّ (الإنسانية) ليست معطى طبيعيًّا، وإنما هي نتيجة الانتماء الثقافي للفرد. فصلته ببني جنسه، والدروس التي يتلقاها قصدًا أو عفوًا عن محيطه الاجتماعي، والنماذج السائدة في مجاله الثقافي، هذه الأبعاد هي التي تُشكِّل إنسانيته.إنَّ الأستاذ مالصون يدعونا إلى التسليم بأنَّ الإنسان لن يكون إنسانًا خارج الفضاء الاجتماعي؛ لأنَّه لا وجود لطبيعة إنسانية سابقة على وجود المجتمع. ومن ثم يصر بعناد على أنَّ “الإنسان لا يُولد، ولكن يُبنى”.

– ماذا يعني هذا؟

– يعني أنَّ مالصون يرى أنَّ الإنسان إذا وقع في أسر التوحش، ستندثر بكل بساطة «ماهيته»، وتغيب فجأة «ذاتياته»، فإذا بنا إزاء «إنسان» بدون إنسانية، مادة بلا صورة، شبح يشهد على ذاته بالقصور الجذري!

– يا إلهي أنتَ تُعقِّد الأمور أكثر مما ينبغي.

– لا تهتم…أنا لا أؤمن بما يقول مالصون إنِّي أؤمن بفطرة حي بن يقظان التي دلَّته على المعارف كلها!

– أنتَ فيلسوف مجنون هذا الرجل يبني كلامه على حقائق علمية, بينما أنتَتبنيها على آراء فلاسفة ماتوا وماتت معهم أساطيرهم المنسوجة من خيال!

اقترب الفيلسوف من جوزيف يحاول أن يبعث فيه الأمل، وقال:

– نور سيبرهن على هذه الآراء وسنرى ذلك.

خرج جوزيف وهو لا يكاد يستطيع حمل رأسه من كثرة حيرته وخوفه على ابنه تاركًا وراءه الفيلسوف ينقر على جهازه يبحث عن أدلة تثبت كلامه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عاش نور وسط الخيول البرية ينعم بحنان إلكسندرا وأخوة مادلين وليسا, يأكل الحشائش مثل بقية الخيول ويروي عطشه من مياه الغابة ويغطي جسده بفرو الحيوانات,يعيش في سعادة بين الخيول التي تسابقت في الحصول على مباركة منه على نواصيها, فأصبح القطيع يشع نورًا جميلًا ميزة عن بقية الخيول كان نور كاسمه كلما لامس شيء بيده أضاء..

كثير من أشجار وصخور وحشائش الغابة أصبحت تضيء بفضل يدي نور الصغيرة, لكن سعادته لم تدم طويلًا, فقد تبدلت حين كبر وبدأ بالتفكير فيه وفي هذه الحيوانات التي هو وسطها, أصبح يسأل نفسه كثيرًا لماذا أختلف عنهم؟… ولماذا ليس ثمة أحد يشبهني هنا؟.. ولماذا أنا هنا؟… ومن أين أتيت ؟… ومن أنا؟ .. وما هذا الضوء الذي يشع مني؟

صار نور كثير الخلوة بنفسه يصعد إلى أعالي الجبال ويتأمل, وفي كل مرةكان يتأمل فيها نفسه وفي الخيول حوله كان يحدث نفسه الحديث ذاته:

أنا كائن لدي حواس تؤثر فيني.. أنا كائن فاعل عاقل.. تميزتُ عن باقي الكائنات بقوة التفكير…. لكني تائه ضائع في هذا الكون الشاسع.. شاء مدبر هذا الكون أن أكون وسط هذه الخيول التي لا تشبهني ولا أشبهها في شيء..!

وحين يصرف بصره إلى الكون ويتأمل في الليل والنهار،والشمس والقمر،والحجر والشجر كان يخلص إلى حقيقة واحدة:

إنَّ هذا الكون بهذا النظام الدقيق لابد له من مدبر حكيم, أنا أشعر بذلك إنِّي أرى تدبيره الحكيم في كل شيء أمامي, ولا يمكن أن يكون وجودي هنا وسط هذا الكون عبث, كيف لمن هذا تدبيره أن يخلق شيئًا في هذا الكون عبث ولو صغر حجمه وقلَّت قيمته؟

لابد لهذا العقل الذي أمتلكه وهذا الشيء الذي ينبض بداخلي ويضيء أن يدلني على الطريقة الصحيحة التي يجب علي أن أسلكها لأؤدي دوري في هذا الكون المنتظم…

أمضى نور عدة سنين وهو يكرر على نفسه نفس الحديث ويقلِّبه في ذهنه, حتى قرر ذات يوم الهرب من قطيع الخيول والبحث عن مَن يشبهونه…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: