Archive for 29 يناير, 2016

فطرة!

يناير 29, 2016

  
فطرة!
الإهداء:

لكل قلوب الأطفال وإن كانت خلف أضلع الكبار!

 

 (الجزء الأول)

​ولادة معجزة!

كلام الله في قلب كل فرد فينا, لكننا مشغولون في الرأس حيث إننا لم نُصِغِ أبدًا لذلك الصوت الهادئ الخافت داخلنا, هناك ضجة كبيرة جدًا, صخب عالٍ جدًا لا ضرورة له, لقد جعلنا من الرأس سوقًا تجاريًّا, ذلك أنَّ القلب يستمر في النداء ونحن لا زلنا لا نرغب في سماعه..                

أوشو*

 

 
 

 

 

 

 

لم تكن تعلم إيفا أنَّ المخاض سيجيؤهاإلى طاولة المطبخ لتعاني آلامه وحدها, بقبضة يديها أمسكت بقدمي الطاولة ودخلت في نوبة صراخ الموت وحيدة بعيدًا عن كل البشر عدا جنينها الذي تنتظر كانت هي الفكرة الوحيدة التي تسيطر على ذهنها حينها, ومع صرختها الأخيرة خرج طفل يؤذن في الحياة..!

رغم أنَّ الألم قد بلغ منتهاه إلا أنَّإيفا استطاعت أنْ تتدبر أمرها وأمر طفلها, بيد أنَّ الطفل لم يكن طفلًا عاديًّا..!

اقتربت إيفا منه وهي تغالب الخوف الذي اعتراها من منظره الغريب, نظرت إليه, كان ثمة ضوء يشع من قلبه الصغير خلف أضلعه,خافت إيفا على طفلها البكر أنْ يكون قد اعتراه سوء, وبحنان الأم وضعت يدها على مصدر الضوء تتحسس قلب صغيرها فأضاءت يدها!

فزعت! رفعت يدها وهي تنظر إليها كانت تشع ضوءًا فضيًّا كضوء القمر،وقد أصبحت معه يدها الممتلئة أكثر جمالًا, قالت تُحدِّثُ الصغير في خوف: قل لي بربك ما الذي يحدث؟ ماقصة هذا الضوء؟ لكن الطفل شرع في البكاء, تذكرتأنَّها لم تطعمه وبفطرة الأم حركت جسدها المنهك الملقى على الأرض الباردة، وأمسكت صغيرها بيديها المرتجفتان وألقمته ثديها،وما أنْ لامست شفتي الطفلثديها حتى أضاء!

أبعدته عنها في ذهول وهي تكرر عليه السؤال نفسه تتوسل إليه: أرجوك قل لي ما الذي يحدث هنا؟

عادت تُلقمه ثديها وقد غلبتها رأفة الأم, رضع الطفل حتى شبع وغط في نوم عميق, وضعته في لفافة من صوف, وجلست تتأمله وتسأل نفسها ما الذي يحدث أمامها؟

في البداية قالت: ربما هو نذير شؤم؟ أو هي ذنوبها التي ارتكبتها جاءت لتقتص منها وتُحوِّل حياتها إلى جحيم؟

سألت نفسها: هل تتخلص منه؟ اقتربت منه تريد أنْ تخنقه وتنهي هذي الحيرة التي تعصف بذهنها؟

لكنها جبنت عن ذلك وقبَّلت جبينه الصغير بحنان وهي تحدث نفسها: كيف يمكن أن يكون طفلًا بهذا الجمال نذير شؤم, وكيف يمكن أن يكون النور دليل شر؟ هذا الطفل جاء لينير العالم؟ هكذا أقنعت نفسها وهي تتأمل قلب الصغير, ويدها وثديها وهي تضيء!

وصل إلى مسامعها صوت خطوات قادمة من بعيد, فأدركت بأنَّ والد الطفل قدم من عمله,ودون تفكير حملت الطفل واختبأت في آخر مخزن الطعام، كان مخزن الطعام مظلمًا فبدا قلب الطفل ويدهاوالنور يشع منهما أكثر جمالًا.

اختفى الصوت فعلمت أنَّه بحث عنها فلم يجدها واعتقد أنَّها خارج المنزل فدخل غرفتهما, وضعت الطفل جانبًا, وجلست تفكر كيف يمكن أنْ تشرح له ما الذي يحدث وهي لا تعلم حقيقة ما الذي يحدث أمامها؟! فكرت وفكرت وفي النهاية قررت أنْ تُخفي عنه أمر هذا الطفل؛ لأنَّها خشيت أن يظن كما ظنت هي, أنَّه نذير شؤم ويتخلص منه, وستتدبر أمر إقناعه بأنَّها فقدت جنينها وأنَّه قد مات..!

كان مستلقيًا على سريره بملابس عمله وقد بدا أثر الإرهاق واضحًا على محياه, لكنها حين دخلت وهي تتدثر برداءٍ صوفي أسود وتخفي يدها التي تضيء في جيبها وثب واقفًا ينظر إليها في دهشة ويشير إليها في حيرة أين ذهب بطنها؟

قال بصوت تملؤه الحيرة:

-أين الطفل؟!

ردت بحزن وأسى مصطنع:

-لقد فقدته..

– لكن كيف ذلك؟ ومتى؟ وأين؟

أشارت إليه أن اجلس وجلست بقربه تحكي له قصة من نسج خيالها قالت:

حين وضعتهكان هزيلًا ضعيفًا لكنه كان طفلًاغير طبيعي! كان قلبه يضيء وحين لمسته بيدي أضاءت!

وأخرجت يدها له, نظر إليها في ذهول وهو لا يكاد يقدر على إخراج كلماته قال:

ثم ماذا حدث؟أين هو الآن؟

– لقد لفظ أنفاسه وتخلصت منه بدفنه في حديقة المنزل الخلفية, إنه نذير شؤم وكان يجب علي أن أتخلص منه, وقد فعلت!

– ولكن..

– ولكن ماذا؟ ألا يكفي يدي التي لا أعلم متى سينطفئ ضوؤها، وإلى متى سأبقى أخفيها عن الآخرين؟!.. فتحت عن صدرها وهي تسأله بانفعال:

– انظر إلى ثديي الذي ألقمته إياه كيف أصبح؟

كان ينظر إليها في ذهول وهو لا يدري هل يصدقها أم يكذبها, لكن الشواهد التي أمامه لا مجال أمامها لتكذيبها, جلس لوقت طويل وهو يتأملها في صمت لكنه في النهاية استسلم للأمر الواقع وسألها بلطف:

– هل تؤلمك يدك؟ هل يؤلمك ثديك؟

ردت بالنفي:

– لا.. لكنني متعبة من آلام المخاض وأحتاج إلى نوم عميق.

– وأنا كذلك . قال لها ذلك ثم استلقى على السرير.

انتظرت إلى أن تأكدت أنَّه نام ثم أسرعت إلى طفلها تنظر إليه, حين دخلت عليه بدت لها هالة النور الذي يشع من قلبه كضوء البدر حين اكتماله,كان في غاية الجمال, وقد أضفى عليه النور حسنًا يأخذ بالأبصار والقلوب, نظرت إليه ووضعت يدها المضيئة على قلبه؛لتتأكد أنَّه لازال ينبض بالحياة, وبعد أن اطمأنت أنَّه بخير دثرته جيدًا، ثم عادت بسرعة إلى غرفتها؛ حتى لا يفتقدها زوجها ويكتشف أمرها.

استيقظ الطفل على أثر الجوع, في البداية لم يكن صوته مرتفعًا, لكنه مالبث حتى ارتفع ليصل إلى غرفة الأبوين, كانت الأم تغط في نوم عميق بعد معاناتها مع عسر المخاض وذهولها من الأشياء الغريبة التي تحدث أمامها, استيقظ الأب على أثر الصوت, واعتقد أنَّ الطفل نذير الشؤم شيطانًا خرج من قبره لينتقم منهما,حاول إيقاظ زوجته لكنها كانت متعبة بالقدر الذي جعلها لا تشعر به,هزها بقوة فاستيقظت وهي تسأله:

– ماذا هناك؟

رد بنبرة خائفة:

-الطفل نذير الشؤم يبدو أنَّه لم يكن سوى شيطانًا وقد خرج من قبره لينتقم منا!

قفزت من السرير بسرعة متجهة نحو باب الغرفة تريد أن تذهب لطفلها الذي علا صياحه, لكنه أمسك بقميصها من الخلف وهو يقول:

– إلى أين أنتِ ذاهبة أيتها المجنونة؟

تلعثمت حاولت قدر المستطاع أن تجد شيئًا لتقوله لكنها لم تستطع إلا البكاء..

كاد يُجن وهو يصرخ في وجهها:

– ماذا هناك؟ماذا تخبئين أيتها الخبيثة؟ لماذا تكذبين علي؟ طفل مَن هذا؟ أيتها…

وضعت يدها على فمه وهي تصرخ:

– كفى.. كفى أرجوك. اصمت.

– كيف تريدينني أن أصمت وأنتِ تكذبين علي؟ لماذا ادعيتي أنَّ الطفل قد مات؟ماقصة النور الذي في يدك؟ وثديك؟

كانت تبكي بحرقة وصوت طفلها يزداد ارتفاعًا..

حاولت أن تتكلم لكن الأب اشتد صراخه وهو يقول:

أنا فهمت كل شيء..كل شيء.. هذا الضوء أرسله الرب لأكتشف حقيقتك أيتها الخائنة..

سأقتلك.. لكن قبل ذلك سأقتل هذا الشيطان اللعين.

أين تخفينه؟هيا تكلمي.. تكلمي أيتها الخبيثة.

اشتد بكاؤها, قذف بها وخرج يبحث عن مصدر الصوت ليقتل صاحبه.

لحقت به فتح باب مخزن الطعام وهو يصيح أيها اللعين.. وحين رآه توقف في مكانه، ولم يقدر على الحراك!

كان الطفل يضيء ككوكب دري صغير وسط مجرة, نظر إليه وإلى هالة الضوء الذي تحيط بهفرأى فيه ملاكًا صغيرًا,وقف مشدوهًا يتأمل, اقترب منه, حاول أن يلمس الضوء بيده لكن زوجته أمسكت بيده, وهي تقول: احذر سينتقل الضوء إلى يدك كما حدث معي.

نظر إليها, كان بوده لو يركع بين يديها يعتذر, لا يمكن أن يكون مثل هذا الطفل نتيجة غدر وخيانة, هذا الطفل معجزة بل آية! هكذا حدث نفسه.

حمل الطفل وناوله إياها لتُرضعه, وخرجا من مخزن الطعام…

في مشهد جميل كانت الأم تجلس على طرف سريرها تضع طفلها في حجرها وتُلقمه ثديها المضيء, في حين ظل أبوه الذي كان يريد قتله جالسا على الأرض بقربها واضعا يده على إحدى ركبتيها يتأملهما في هدوء..

قال لها: أنا أريد أن أعتذر لك.. في الحقيقة..

وضعت يدها اليسرى على فمه وهي تقول:

-لا تقل شيئًا, مايحدث لنا أكبر من أن تتحمله عقول البشر!

أطرق برأسه للحظات كأنَّه يريد أن يؤكد لها الاعتذار، ثم قال:

– ماسرهذا الطفل؟وماقصة هذا الضوء الذي يشع من قلبه؟

هل هو نبي؟

ردت:

– مستحيل ذلك ! على مدى قراءتي واطلاعي لم أقرأ شيئًا كهذا!

نعم, كان الأنبياء يحملون معهم المعجزات الكثيرة لكنني لم أقرأ أو أسمع عن نبي ولد بقلب مضيء!

رد عليها:

– إذن ما حقيقة هذا الطفل؟

– ربما ساحر!

– لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا؛ لأنَّ الساحر أقرب إلى الشياطين منه إلى الملائكة وهذا الطفل بقلبه المنير أقرب لأن يكون ملاكًا!

– ملاك!… إذن قد يكون ملاكًا..

– ولا هذه أيضًا إذ كيف يولد ملاك من رحم امرأة؟.. حتى المسيح ابن مريم حين وُلِد من غير أبلم يعدو كونه بشرًا مثلنا!

– إذن ماذا سيكون هذا الطفل الذي بين يدينا؟

خيمت عليهما لحظات صمت وهما يتأملان الطفل الصغير يحاولان أن يجدا إجابة لهذا السؤال الذي حيرهما قالت:

– لابد أن نسأل خبيرًا عالـمًا في مثل هذه الأمور…مارأيك أن آخذه إلى الكنيسة؟

– لا .. لا.. أخشى أن يُكتشف أمره فنُحرم منه, أو يحدث له سوء… ثم إنَّا لسنا من رواد الكنائس كما تعلمين حتى نذهب به إليها…ليس أمامنا إلا أن نجعل أمره سرًا بيننا.

– وكيف يمكن أن نفعل ذلك لا بد أن يُكتشف أمره.

– دعي ذلك جانبًا سنبحث ذلك في وقت آخر, المهم الآن هو ماحقيقة هذا الطفل وقلبه المنير والنور الذي ينتقل منه إلى كل مَن يحاول لمسه؟

يبدو أنَّالنور لا ينتقل إلا في حالة واحدةوهي لمس قلب الصغير أو ثغره!

وكأنه تذكر شيئًا, قال لها:

– ماذا عن بقية جسده؟

ردت:

– انتظر لنرى..

أخذت تتحسس بيديها جسد الطفل قدميه, ساقيه, ثم فخذيه, حتى لمست يديه فأضاءت يدها..!

 

كانت إيفا ذات العينين الخضراوين والشعر الأشقر الطويل الناعم قد جلست على كرسي قرب طاولة غرفة المعيشة وقد أنهك جسدها الممتلئ مخاض الولادة,تحاول أن تُسقي طفلها الماء عن طريق تنقيطه بأحد أصابعها فيفمه,حين دخل والده وقد بدا على محياه سعادة غامرة.. قال لها: وجدتها!

ردت الأم: وما هي التي وجدتها؟

– وجدت الحل الذي سيساعدنا على معرفة حقيقة هذا الطفل!

ردت بلهفة: وماهو أرجوك أخبرني؟

– لدي صديق قديم كثير القراءة والاطلاع هو أقرب للفيلسوف من أي شيء آخر. أعتقد أنَّه لن يتأخر فيتقديم المساعدة لي خاصة أنَّ علاقتي به متينة.

– وهل تظن أنَّه لن يفشي أمر هذا الطفل؟

– لا، لا أعتقد ذلك إنَّه قليل الاختلاط بالآخرين، وقليل الكلام، وكتوم، وقبل ذلك كله هو محل للثقة.

– إذن فلتأخذ الطفل إليه.

– ليس بعد أن أعرض أمره أولًا عليه.

– إذن فلتفعل.

– غدًا صباحًا سأكون في معيته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements