Archive for 21 يناير, 2010

ولد الخياطة!

يناير 21, 2010

كان والدي رجل فارع الطول نحيل الجسد كثير السعال كنت أنا وأخوتي نستيقظ في وقت متأخر من الليل على صوت سعاله وأمي ترفع صدره
وتضع تحته الوسائد وتسقيه الدواء…
كان هذا المشهد يتكرر كل ليله حتى توفاه الله
وتركنا خلفه أنا وإخوتي الذين لم نتجاوز الخامسة بعد ووالدتي التي لم تبلغ الثلاثين من العمر بعد..
كان يجب على أمي أن تتدبر أمر نفقتنا
فجمعت حلي زواجها الزهيدة الثمن واشترت مكينة خياطه وبدأنا إدمان صوتها بدل صوت سعال والدي…
كانت والدتي منذ شروق الشمس حتى وقت متأخر من الليل تعمل على المكينة تخيط لنساء الحي لتطعمنا ..
أتذكر جيدا حين تذهب لتسليم الثياب وأخذ أجرة الخياطة كنا نتبعها أنا وأخوتي وفي طريق العودة تدفع لكل واحد منا ريالا لنتسابق لدكان العم صالح ونشتري الحلوى ونعود ونحن في غاية السعادة..
كبرنا والتحقنا بالمدارس وفي يوم أتذكره جيدا
ونحن في طريق العودة إلى بيتنا أقبلت سيارة بسرعة جنونية لتختطف أخوي وتتركني ورائهما
أصيح كالمجنون وأحاول أن أسحبهما بيديهما وهما غارقان في الدماء حتى جاء رجال الحي وحملوني لبيتينا وحملوا أخوي لمكان أجهله ولم أراهما بعد ذلك فقط كنت أرى أمي كل ليله تخرج
ثيابهما من صندوق وتستنشقها وهي تبكي …
عانيت الوحده بعدهما لكن أمي لم تلو جهدا في أن تعيد إلي بسمتي كانت بالنسبة لي الأم
والأب والأخ والصديق ..
كنت كل ليلة وقبل أن أنام أحمل وسادتي وألصقها بجسدها وهي تفترش الأرض وتخيط فتتوقف عن الخياطه وتحكي لي حكايا جميلة كانت تحدثني عن البساتين التي يعيش فيها أخوي ووالدي فأقول
لها متى أذهب لهم؟
فتضمني إلى صدرها وهي تقول: أتذهب وتتركني وحدي؟…
كبرت وتخرجت من الثانوية وكنت متفوقا ولأن أمي تخيط لنساء الحي منذ زمن وتعرفهن جميعا
طلبت منها أن تحدث إحداهن لتشفع لي عند زوجها ذو المركز المرموق أن يشفع لي للدراسة في جامعة لا تقبل إلا الصفوة ..
في بداية الأمر حاولت أن تثنيني عن ذلك لأنها لا تريد أن أبتعد عنها فليس لها أحد سواي ..
وأصريت عليها وأخبرتها أنها فرصة لا تعوض وأن وظيفتها مضمونه ولن أجد أفضل منها
فاستسلمت لرغبتي وهي كارهة .. وتم القبول وسافرت تاركا والدتي ورائي تخيط على مكينتها…
مرت سنوات الدراسة سريعا وتخرجت بامتياز وتم توظيفي مباشرة ومنحت سيارة وشقه فاخره
بعيده عن أمي… وشعرت بحاجة لأنيس ففكرت بالزواج ونسيت تلك العجوز ومكينتها التي كانت هي بدايتي.. تزوجة من ابنة مديري في العمل لتتناسب مع مكانتي الاجتماعية فلم أعد ولد الخياطه كما كان يناديني أولاد الحي…
ورزقت بطفلة غاية في الجمال أخذت بلباب قلبي وشغلتني عن كل شيء … وعشت حياة سعيده
لا يكدر صفوها شيء ونسيت معها أمي…
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي ارتكبت فيه خطأ فادح في عملي كبد الشركة خسائر عظيمة وجعلها تستغني عن خدماتي وطردت …
وبدأ ينفذ المال من بين يدي وأخذت الشقة والسيارة مني … فغضبت زوجتي التي لم تتعود إلا
على حياة الترف.. فتركتني هي وابنتي وعادت لأهلها…
أقفلت في وجهي كل الأبواب وأصبحت كالمشرد .. فتذكرت أمي ومكينتها حين احتجت للمال..
وعدت أبحث عنها..
حين دخلت الحي أخفيت وجهي بطرف شماغي حتى لا يعرفني أحد .. دخلت البيت كنت أرهف سمعي لعل صوت المكينة يصل إليه… لكني لم أسمع شيئا فدخلت الغرف واحده تلو الأخرى أبحث عن أمي .. لكني لم أجدها فقط وجدت المكينة .. ووجدت بقربها فستان صغير في طول بنيتي.. وبجانبه  كيس صغير فتحته فوجدت فيه بعض النقود وقطعة حلوى….

..

 

 

Advertisements