صوت الساقية!

سبتمبر 21, 2017

عشرون سنة ومحمود البقال على هذا الكرسي يدير عمله من خلال حواسه، يتعرف على بضاعته من صوتها حين يحركونها، أو صوت وضعها على المنضدة التي أمامه ، أو شم رائحتها إن لزم الأمر..سكان الحي كلهم يعرفونه ويحبون التعامل معه . يجلس العم محمود من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء على كرسية داخل الدكان ينصت للعالم ، ينصت لصوت العصافير التي التي تقف على باب الدكان ، وللأطفال المارة، وللسيارات في الشارع، ولأحاديث نساء الحي وهن يتبضعن من دكانه، وإلى أعمق من ذلك إلى أولئك المارين الصامتين الذين يتبضعون من دكانه في صمت..

يدخل أحدهم يسمع خطواته ثم صوت أحد الأكياس التي يأخذها ليجمع حاجياته فيها، يسند رأسه على يديه وينصت..

ذات مرة حين دلف أحدهم إلى داخل الدكان سمع صوت ريح عاصفة ، كانت خطواته ثقيلة كأنه يحفر الأرض وهو يمشي، وحين تحدث كان صوته مالح يخبر عن رجل عرف البحر وعرفه جيدا..

ومرة حين دخل أحدهم بدت أصوات أجراس وضحكات جمهور، خَيل إلى محمود حينها أن دكانه مسرح وأن القادم مهرج يؤدي عرضا ضاحك أمام جمهور غفير، أطرق العم محمود وهو يفكر مخيف أن يكون جوفك مليء بالهزل إلى هذا الحد!

وفِي أحد المرات وفِي غفلة منه سمع خطوات شيخ عجوز مثقلة سبقها صوت صرير أرجوحة وضحكات أطفال، وحين هم بالخروج حياه العم محمود وهو يقول له : ما أجمل أن يمر كل هذا العمر ويبقى الطفل في داخلك يضحك..!

والذي لا يمكن أن ينساه حين دخلت عليه مرأة فسمع صوت ساقية وخرير ماء وكأنه يغمر دكانه فيحيله بستانا تنبت فيه الأشجار، وكأن الوديان تجري في أطرافه وكأن زهورا فاح عبيرها، وثمارا حان قطافها ، ونسيما باردا محملا برائحة الثرى يملأ الدكان ..

اقتربت منه وناولته النقود ومضت، هم أن يوقفهاويسألها عن سر هذا الصوت الذي يسمعه؟

لكنه أدرك كل شيء حين سمع صوت صغير يناغي بين يديها..!

Advertisements

اشتقت لأن أشتاق!

يوليو 19, 2017

كثيرا مايكرر كبار السن أن الإنسان كل ماتقدم في العمر يكون أكثر رقة ، في حين أجدني مع تقدم الأيام أتخلى عن شيء من مشاعري بالتدرج ، لا أتذكر آخر مرة اشتقت فيها للقاء صديقة ، قد أشتاق لوالدتي إخوتي ولا شك في ذلك ، لكن في الآونه الأخيرة مع كثرة وسائل الاتصال فقدنا شعور الاشتياق بمجرد أن تشتاق لأحدهم ستصلك رسالة به ، هذا إن لم يكن قد أزعجك برسائله أو لم تكن شاهدت حسابه في سنابشات وتويتر ، يبدو أنا أصبحنا قريبين من بعض بسطحية ساذجة نتبادل النكات الظريفة والمقاطع المضحكة وقوالب النصائح الصالحة الاستخدام لنا جميعناعلى اختلافنا ، وبعيدين جدا حين ننظر للعمق، فمتى آخر مرة سألت أحدهم كيف حالك ؟ وأنت تعنيها ولم تكن روتينا تؤديه ؟ بل يبدو حتى إيدائها روتينيا قل ! لا أتذكر آخر مرة اشتقت فيها للقاء صديقة لا أعلم هل لأني أصبحت أميل كثيرا للعزلة أم أنا جميعا أصبحنا ذات الشخص الذي يعاني التوحد الإلكتروني إن صحت التسمية.

قبل وقت ليس بالطويل سألت إنسانة عزيزة على قلبي قبل أن أفارقها هل ستفتقديني ؟ رغم أني أعرف أنها تحبني كثيرا وكثيرا جدا ردت: لا ! تعودت عدم وجودك مثلما تعودت عدم وجودي ستعيشين حياتك مثلما سأعيش حياتي ..

أخفيت حزني وأنا أحدث نفسي يا ألله أعتادت عدم وجودي وأنا على قيد الحياة كيف إذا مت هذا وأنا على يقين من حبها لي..

حييتها على صراحتها لكن أصبح لدي شبه يقين أن إنسان هذا العصر إنسان الإكتفاء الذاتي ، وأن من لم يكيف نفسه على ذلك لن يستطيع أن يعيش..

ورغم كل هذا الأمر متعب.. متعب جدا أن تعتاد على عدم وجود أحبتك ويعتادوا على عدم وجودك ..

تصخر!

أبريل 16, 2017

تصخر!وضع الكرسيين الصغيرين والطاولة الصغيرة على رصيف الرسامين بجانب الطريق العام وبدأ يخرج الألوان وفرش الرسم ، ثم جلس ينتظر أحدهم ليمنحه فرصة رسم ملامح وجهه .

في الحقيقة لم يكن يرسم ملامح الوجوه، ولكنه كان يرسم آثار مرور الحياة عليها، فلطالما آمن أن الذي يعيش الحياة لابد أن ترسم على وجهه أثر، قد تترك الحياة على وجه أحدهم ابتسامة مائلة تحكي قصة خذلان عاشها، أو ربما تترك على وجه أحدهم نظرة حزينة تخبر أن الحياة لم تعبأ بقلبه حين مات له صديق أو حبيب، كثيرون الذين قام برسمهم وقد تركت الحياة على وجوههم أخاديد تحت أعينهم أو أعلى جباههم تحكي كيف كانت قاسية ومتجهمه معهم ، ذات مرة جاءه شاب غني رأى في تورد خديه وإمتلائهما كيف كانت الحياة لطيفة وسخية معه ، حدث أيضا وجاءه شخص يملك نظرات مرتابه حكت له عدد المرات التي تذوق فيها طعم الخديعه، وضع الأوراق وقلم الرصاص على الطاولة الصغيرة وهو ينتظر، لعل أحدهم يأتي ويكرمه بقراءة تفاصيل حياته على وجهه، انتظر قليلا ثم أقبل عليه أحدهم جلس ببرود على الكرسي الذي أمامه، نظر إليه نظره لم يفهم شيء منها ، ثم أخرى أكثر تفحصا ولم يجد أثر ، لا أخاديد ولاتورد خدين ولا ابتسامة ، لا شيء يدل على أن هذا الشخص في يوم ما ابتسم أو بكى أو حتى غضب ، وجهه لا يدل على أنه عانى فقر، أو حتى ذاق غنى، أو حتى كان من أصحاب الطبقة الكادحة، أطال النظر إليه ابتسم له عبس أغلق عينيه وفتحهما لعل وجهه يبوح بشيء لكن وجهه ظل جامدا بلا تعابير!

أخيرا قرر أن يرسمه لكنه استغرق وقتا طويلا في أن يجعل الصخرة التي رسمها مصقولة جيدا!

كتاب “عقل غير هادئ”!

أبريل 8, 2017


كتاب “عقل غير هادئ”!
كتاب تتحدث فيه مؤلفته عن تجربتها الشخصية مع مرض المبدعين -ذهان الهوس الإكتئابي”الإضطراب الوجداني ثنائي القطب” – 

جاء الكتاب كسيرة ذاتية أزالت بها الكاتبة القناع عن حياة الأشخاص المصابين بهذا المرض “ذاتك هي ذاتك ، والخداع عبر الإختباء خلف درجة علمية، أو لقب علمي ، أو أي سلوك وعبارات منمّقة، لا يزال تماما: خداعا. ربما كان ضروريا ولكنه خداع”

تبدأ المؤلفة كاي ردفيلد جاميسون الكتاب بفصل تتحدث فيه عن طفولتها ووالديها ونشأتها وتشير إلى أن “المزاج الحاد يجعل الشخص حساسا سريع التأثر بقاتلي الأحلام، وكنت أسعد مما أظن، لأني نشأت بين طموحين ومحبين للطموحين” وتسرد من خلال هذا الفصل أعراض أول نوبة ذهان أصابتها ” عندما بدأت النوبة، بدأ كل شيء سهلا، كنت أجري بسرعة مثل ابن عرس مجنون : منطلقة بخطط حماسية، ومنهمكة في الرياضة، وأسهر طوال الليل، ليلة بعد ليلة، وأخرج مع الأصدقاء ، وأقرأ كل شيء يقع تحت يدي، وأكتب شعر ومسرحيات، وأضع خططا مفصلة مترفة وغير واقعية لمستقبلي. العالم كان-بالنسبة لي-مليئا بالسرور والأمل ، وشعرت أنني رائعة، ليس مجرد رائعة ، لقد شعرت أنني رائعة بالفعل. لقد شعرت أنني أستطيع أن أصنع أي شيء … لقد كان عقلي يبدو صافيا ، ومركزا بشكل خرافي، وقادر على عمل عمليات حسابية حدسية”

وبعد كل هذا الوصف تعلق أن هذه النوبة الأولى كانت لطيفة وبمثابة مسحة مخففة فاتنة للهوس الخفيف مقارنة بما جاء بعدها من نوبات!

ثم تذكر بعد ذلك أن بعد كل نوبة ذهان تعقبها نوبة إكتئاب وتصف حالها حينها “لم يعد عقلي قادرًا على التركيز الفكري، وأصبح يدور حول موضوع واحد هو الموت: ما أهمية الحياة؟ الحياة قصيرة وعديمة المعنى، لماذا نعيشها؟ كنت منهكة تماما، وبالكاد أستطيع سحب نفسي من السرير في الصباح…”

ثم تلخص كل هذا في مقولة لهيوغو وولف”أبدو أحيانا نشيطا، ومبتهجا، وسعيدا، أتكلم أمام الآخرين على نحو معقول تماما. ويبدو كما لو أنني شعرت ، أيضا أن الله يعلم بحالي الذي تحت جلدي. ومع ذلك الروح تحافظ على رقادها الميت، والقلب ينزف من ألف جرح!”

وتستمر المؤلفة في الحديث عن تعليمها والمعاناة التي لاقتها خلاله ثم تنتقل إلى الفصل الثاني الذي تتحدث فيه عن أعراض المرض بشكل مفصل عن طريق سرد صور من سيرتها الذاتية والأعراض التي تنتابها وتذكر في الفصل الأسئلة التي من خلالها شخص الطبيب مرضها النفسي”كم ساعة تنامين؟ هل لديك مشاكل في التركيز؟ هل تتكلمين أكثر من المعتاد؟ هل طلب منك أحد أن تبطئ ، أو قال لك إنه لا يفهم ماتقولين؟ هل تشعرين بضغط ما للكلام بصورة مستمرة؟ هل تشعرين أن لديك طاقة أكثر من المعتاد ؟ …”

ثم بعد ذلك تنتقل إلى وصف الحيوية والإبتهاج والثقة المطلقة التي كانت تشعر بها والتي جعلت من الصعب عليها جدا أن تعتقد أن هذا المرض يجب عليها التخلي عنه وأن عليها الإستمرار في أخذ هذا العلاج ولذلك كانت تعاني نوبات أشد قسوة في كل مرة تترك فيها العلاج وهذا أمر طبيعي لأن الدراسات أثبتت أن ذهان الهوس الإكتئابي لا يعود وحسب في حال ترك العلاج ولكنه يعود في هيئة أكثر عنفا وتكرارا !

ثم تستمر بعد ذلك في وصف أعراض المرض ومرات محاولات الإنتحار التي كان يقودها إليها المرض وتؤكد على أن الحبوب وحدها لا تريح، ولا تقدر أن تريح الشخص في العودة إلى الواقع ولكن ينبغي على المريض أيضا تلقي العلاج النفسي إلى جانبها والذي يعتبر هو الملاذ.

ثم يأتي بعد ذلك الفصل الثالث والذي تتحدث فيه المؤلفة عن الحب وأثره في مسيرة علاجها وحياتها “إن تاريخ حناننا وحده هو مايجعل من الممكن احتمال هذا العالم”

وأخيرا في الفصل الرابع تتحدث المؤلفة عن المرض حديثا علميا وعن علاقته بالوراثة وإمكانية إنجاب الأطفال والمصطلح العلمي للمرض.

الكتاب قيم جدا وقد جاء بلغة سردية رائعة وصريحة وشجاعة وفِي ثناياه جاء ذكر عدد من الشخصيات التاريخية الذين تبين أنهم عانوا هذا المرض أمثال: أبراهام لنكولن، وثيودور روزفلت، ونابليون بونابرت ، والإسكندر الأكبر، وإسحاق نيوتن، وبتهوفن، ومارك توين، وفنسنت فان غوخ ، وغيرهم.

“الأمير الصغير”

مارس 12, 2017


هل جربت أن تحلم وعيناك مفتوحتان؟! دعك من أحلام اليقظة فأنا لا أعنيها بل أعني أن تحلم فتحلق الأفكار البريئة في رأسك كفراشات مضيئة ، هذا تماما ماسيحدث لك حين تقرأ رواية الأمير الصغير التي وجهها كاتبها أنطوان دي سانت للبالغين الذين كانوا يوما ما أطفالا..

ستحدثك هذه الرواية عن الصداقة والحب والعلم والسلطة والجمال ستتعرف فيها على أمير رقيق هش لدرجة أنك ستحاول أن تحملة بين يديك وتضمه إلى صدرك لتحمية من أشواك دروب الحياة.

حين تقرأها ستكون لك “كحلم سماوي” خفيف جاء بلغة عذبة رقيقة “هل للأمر علاقة بكون الكاتب فرنسي:)” وستجعلك في كل مرة تنظر لنجوم السماء تتسائل على أي نجمة تعيش زهرة الأمير الصغير التي أحبها وكيف هي حالها الآن؟!

قراءة في كتاب “الفلاسفة يقومون بواجب العزاء”!

فبراير 19, 2017

قد يبدو الأمر مألوفا لأصدقاء الكتب أن يشاركهم وسائدهم كتاب! بل قد يتجاوز الأمر ذلك ويخرج أحد أبطال رواياتهم ليشارك في أحلامهم!

ومن بين كل الكتب التي يقرؤونها ثمة كتب حين يتصفحونها تكون كلماته كحديث صديق حميم يخصهم به ويكون له الأثر الكبير في حياتهم..

كتاب (عزاءات الفلسفة) كتاب جاء على اسمه، ما أن تلج داخل صفحاته حتى ينتظم أمامك سقراط، أبيقور ، سينيكا، ، مونتين، شوبنهاور، نيتشه، ليقدموا لك واجب العزاء.

سيقبل عليك سقراط بقامته القصيرة، ولحيته الكثة، ورأسه الأصلع “يبدو الشعر والذكاء في الرأس لا يجتمعان” ليعزيك بشأن مخالفة الأراء السائدة ، ستخبرك قصة إعدامه أنه من الغباء بل والحماقة أن تُؤخذ جميع الأراء على محمل الجد .

وإن كنت قد بليت بزوجة سيئة الطباع ،وسليطة اللسان، سيربت على كتفك ويقول لك: “أن على مروض الخيول تجربة أكثر الحيونات جموحاً” ولن يتركك حتى يوصيك بأن تنصت دوما إلى املاءات العقل.

سيتركك سقراط ليقبل عليك أبيقور ليعزيك بشأن الإفتقار إلى المال سيقول لك:” الطعام والشراب المترف.. لا يمنح نجاة من الأذى أو صحة جيدة في الجسد. يجب على المرء أن يعتبر الثروة التي تفوق الحد الطبيعي غير ذات نفع، كما الماء في وعاء ممتلئ إلى حافته. ولا نحصل على القيمة الحقيقية عبر الصالات والحمامات والعطور والمراهم.. بل عبر العلم الطبيعي”

وسيحدثك عن قيمة الأصدقاء، ومدى السعادة التي يظفونها على حياتنا “من بين جميع الأشياء التي تمنحها الحكمة لتساعد المرء على عيش حياة كاملة مليئة بالسعادة، يعتبر امتلاك الأصدقاء أعظمها على الإطلاق”

وحين يتركك أبيقور سيعزيك سينيكا بشأن الإحباط، وسيؤكد لك ” لا يمكن للحكيم أن يفقد شيئا. إذ إن كل شيء مخزون داخله”

أما مونتين فسيخبرك بأن الإلتجاء إلى الكتب هو كل ماتحتاج إليه كي تطرد الأفكار الكئيبة، ستعرف عن طريقه أن الصداقة مميزة جدا بحيث لا تحدث إلا مرة كل ٣٠٠ عام.

وسيحدثك حديثا سيكون بلسما لعجزك أمام أولئك الذين يحيطون بك ولا تجد منهم أي تقدير “قد يبدو إنسان ما للعالم بمثابة أعجوبة: ومع ذلك، لن تجد زوجته أو خادمه مايستحق الذكر فيه. قله هم الذين كانوا عجائب بالنسبة إلى عائلاتهم”

وحين يتركك مونتين سيقبل عليك شوبنهاور ليعزيك بشأن إنكسارات القلب ، لكن نظرية الإنجذاب ستقودك إلى خلاصة شديدة الكآبة!

بحيث يكون من الأفضل للقراء المقبلين على الزواج أن لا يقرؤوها.

وقبل أن تغادر صفحات الكتاب سيمسك بيدك نيتشه ليعزيك بشأن المصاعب التي قد تواجهك في عبورك هذه الحياة ، سيقول لك: ” لأولئك البشر ممن أنا معني بهم بهذا القدر أو ذاك، أتمنى المعاناة، والأسى، وسوء المعاملة، والإهانات- أتمنى أن لا يبقوا غريبين عن ازدراء الذات العميق، وعن عذاب الارتياب بالذات، وبؤس القهر”

وسيخبرك أن مصادر مسراتنا العظمى تبدو قريبة على نحو غريب من مصادر آلامنا العظمى.

وبعد أن ينصرف كل هؤلاء الفلاسفة وقد قدموا واجب العزاء كما يليق به ، ستغلق الكتاب وأنت تحدث نفسك: “إنه بالفعل كتاب جدير بالقراءة”.

قراءة في كتاب أسئلة الطفل المحرجة وكيفية الإجابة عليها؟

مارس 23, 2016

  

كتاب أسئلة الطفل المحرجة وكيفية الإجابة عليها. لحسن رمضان

يقع الكتاب في حدود ٨٠ صفحة يتحدث عن أسئلة الأطفال ولماذا يسألون وكيف نجيب عنها. 

وهذا مختصر مفيد له
لماذا يسأل الأطفال؟

حبا للإختلاط الإجتماعي، الرغبة الطبيعية في الحصول على جذب إنتباه الآخرين والإهتمام بهم.

للتعبير عن المقاومة والتمرد على الأشخاص الكبار أو تعبيرا عن استنكاره لسلطة الأب أو الأم أو غيرهم.

إدراكه أنه أصبح يتقن لغة الكلام والمخاطبة والتفاهم
رغبه في ممارسة اللغة والتباهي بقدراته في استخدامها.

الخوف من أشياء لم يكن له خبرة سابقة مباشره تجاهها كأن يسأل عن الحيوانات أو المشردين أو الباعة.
يسأل الطفل عما يخيفه بهدف الشعور بالأمن.
أحيانا يسأل الكبار للنيل منهم 🙂

يتدخل في الحديث بين الكبار ويسأل أسئلة متتابعة لا لشيء فقط ليلفت الأنظار إليه
كل هذا محاولة للتمركز حول الذات وتأكيدها أو التعبير عن الحاجة النفسية أو البيولوجية 
أحيانا تكون أسئلة الطفل تعبيرا عن حالته المزاجية والإنفعالية.
أسئلة الطفل التي يتحدى بها الكبار أو يحرجهم بها دليل على عدم إشباع الحاجات البيولوجية والنفسية
عدم ظهور الأسئلة على الطفل قد توحي بأنه من ضعاف العقول.
الخلاصة: الطفل كالتائه الذي يريد أن يسمع كلمة تفتح له طريق السلامة فلا يكفي أن تحاول الأم إسكات طفلها اللحوح بأية إجابة عشوائية.
كيف تجيبين على أسئلة طفلك؟

١-يجب أن تكون الإجابة على أسئلة الأطفال صادقة ومحددة ومبسطة وقصيرة وبطريقة ذكية
٢- لا يتطلب ذلك الدخول في التفاصيل حتى يستطيع فهما وتكون مناسبة لسنة.
عدم الإجابة على أسئلة الطفل ؟

يُفقده الثقة في أبويه ويلجأ إلى أقرانه أو غيرهم فيقدمون له معلومات تضره نفسيا أو ثقافيا
أهمية الإجابة على أسئلة الطفل:

تنمي شخصيته،تنمي مقدرته اللغوية،
تكسبه خبرات وتجارب وثقافات لا يمكن أن يصل إليها بمفرده إلا بعد سنوات.

ثم يحوي الكتاب بعض الأسئلة التي وجهت للكاتب من قبل الأطفال الذين جمعه بهم عمله
أخيرا تقييمي للكتاب مختصر وجميل بعض الإسئلة وجهت لي من قبل أطفالي ، الكتاب يصلح لأن يكون مرجع للأم يساعدها في الإجابة على أسئلة  أطفالها وإن كنت لا أتفق معه في كل إجاباته 

أخيرا لكل أم أقول أسئلة الأطفال بحر لا ساحل له لكن سددي وقاربي أسأل الله لي ولَك العون والسداد. 🙂

فطرة! (الجزء الأخير)

فبراير 3, 2016

هروب!أريد الرحيل..

لأرض جديدة..

لأرض بعيدة..

لأرض وما أدركتها العيون..

ولا دنستها ذنوب البشر…

                                     *عبدالعزيز جويدة

 

 

 

 

 

 

صارت إيفا تدثر ابنها بالملابس؛ لتخفي ضوء قلبه وتصطحبه في جولات في المدينة.

كان نور يراقب الناس من حوله ولكنه لا يقترب منهم خوفًا على قلبه الذي يميز الخطأ ويتأثر به منذ صغره؛لذلك أصبح يقضي وقتًا طويلًا في المنزل بمفرده, ولا يخرج إلا برفقة أحد والديه, ولا يلمس شيئًاحتى لا يُكتشف أمره,حَزن والداه كثيرًا وتألما لحاله فقد كانا يحبسانه في المنزل كثيرًا خوفًا من أن يفقداه.

استمر نور محبوسًا في منزلهم إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تركاه والداه في المنزل بمفرده,فقرر أن يخرج ويكتشف العالم أكثر وإن كلَّفه ذلك حياته..

خرج نور إلى مدينة تلدا بمفرده ليواجه مصيره ويرى الناس على حقيقتها, وأخذ يتجول في أزقة المدينة التي بدت خالية إلا من القليل من المارة, وراح يتأمل أضواء المدينة التي لاحظ أنَّها تختلف عن ضوء قلبه الفضي,واستمر على ذلك الحال يتجول في أمان إلى أن مر بأحدهم يقف بخضوع أمام قسيس يتوسلإليه, فشعر بألم في قلبه ولاحظ انخفاض في شدة الضوء الذي يصدر منه,لم يُعرْ ذلك اهتمامًا وأكمل مسيره,فبدا له متجرًا صغيرًا دلف إليه فرأى بين صناديق البضاعة رجلًا يسرق,فاشتد الألم في صدره وازداد انخفاض الضوء الذي يصدر من قلبه,وضع يده عليه وهويحاول أن يمسك باللص, لكنه أدرك خطورة ماهو عليه وأنَّه يجب عليه أن يعود للمنزل قبل أن يفقد حياته,وحين خرج من المتجريريد العودة إلى منزلهم اصطدمبفتاة في حالة سكر تكذب على والدتهاتحاول أن تبرر لها خطأها,فازداد الألم شدة حتى بدا قلبه ضعيفًا ونوره على وشك الانطفاء, سقط على الأرض فلمس الإسفلت فأضاء, انتبه المارة لهذا الضوء فصاحوا في ذهول ورهبة, حاول نور النهوض لعله يستطيع الهروب, فأمسك بشجرة فأضاءت, أصبح الناس يسيرون في جماعات يبحثون عن مصدر الضوء وقد ارتفع ضجيجهم, ونور كلما تمسك بشيء يستند إليه أضاء, إلى أن وصل إلى أحد الأزقة فاختبأ فيه..

انتشرت الفوضى في المدينة بحثًا عن مصدر الضوء, وتحدثوا عن كائن فضائي نزل من السماء, وصل الخبر إلى والدي نور ففزعا يبحثان عنه.

انتشرت سيارات الشرطة في كل مكان تحاول تنظيم الناس والعثور على الكائن الفضائي الذي غزا المدينة.اشتد خوف نور فقرر الهرب من المدينة, وحين رأى رجلًا يقف بجانب سيارته حمل عصا بجواره وضرب بها الرجل على رأسه فسقط مغشيًا عليه,وسقط نور بجانبه من شدة الألم الذي شعر به في قلبه, لكنه استطاع أن يقف من جديد وركب السيارة, وحين لمسها أضاءت, فر هاربًا من المدينة متجهًا نحو الصحراء,شاهد رجال الشرطة السيارة المضيئة فتبعتها سياراتهم,وتبعهم سكان المدينة بسيارتهم وفي مقدمتهم سيارة والديه..

أصبح نور يقود السيارة بجنون فازداد ضعف قلبه, وكلما ازداد سرعة ازداد الألم في قلبه.. توقف نور على أطراف الصحراء, وتوقف رجال الشرطة يراقبونه من بعيد خوفًا منه, ووقف الناس من ورائهم, هدده رجال الشرطة بمكبرات الصوت ودعوه أن يُسلِّم نفسه, لكنه لم يلتفت إليهم, أخذت إيفا أحد مكبرات الصوت وهي تصيح:

– نور أرجوك سلِّم نفسك.. سيحاول الأطباء إنقاذ حياتك..سنفعل كل ما بوسعنا من أجلك..

لكن نور قد أعياه التعب فنزل إلى واحة صغيرة, وحين لامست شفتيه ماءها أضاءت وكأنَّ نجوم السماء انتثرت وسطها, صاح الناس حين رأوا منظرًا لأول مرة يشاهدونه, تحرك نور باتجاه نخلة استند إليها فأضاءت, وبدت ثمراتها كلؤلؤ يتلألأ في ظلام الليل, أسند نورظهره إليها وسقط يلفظ أنفاسه الأخيرة وانطفأ النور الذي يشع من قلبه, فأقبل سرب من الطيور وحمل نور معه وصعد به إلى السماء…!

 
تمت 🙂

فطرة! (الجزء الرابع)

فبراير 3, 2016

حياة.أن تعيش يعني أن تختبر أمورًا لا أن تتقاعس وتفكر في معنى الحياة.

                                                        *باولو

 

 

 

 

 

 

 

شاع في المدينة حكاية رجل جاء من غابة مجاورة وقد رأى فيها فرسًا تشع ناصيتها نورًا, قال بعض الناس: أنَّ الرجل مجنون خُيِّل إليه, وقال بعضهم: ربما رأى مخلوقًا فضائيًّا, بينما قال آخرون: إنما هو ملاك نزل من السماء,لم يكن الخبر ذا أهمية لسكان المدينة إلا أنَّه ما إن طرق باب بيت جوزيف الذي بدا أكبر عمرًا،وأضعف قوة هو وزوجته إلا وبعث فيهما الأمل بوجود ابنهما من جديد وأنَّه لازال على قيد الحياة..

وعلى الفور اتجه جوزيف وزوجته نحو الغابة التي ذكرها الرجل في حكايته بحثًا عن ابنهما..

بحثا وبحثا إلى أن فقدا الأمل, وحين قررا العودة إلى منزلهما بدت لهما مهرة صغيرة تضيء ناصيتها كادت تسلب عقليهما بجمالها, اتبعاها وفي طريقهما كانا يمران بأحجار وأشجار وحشائش مضيئة, وكلما دخلت المهرة الصغيرة إلى أعماق الغابة ازدادت الأضواء توهجًا, إلى أن وصلت المهرة إلى قطيع من خيول نواصيها تضيء, كان يبدو عليها الاضطراب وأنَّ حديثًا مهمًا يدور بينها, فاختبئا يراقبان في دهشة وحذر لعلهما يريان ابنهما,سمع جوزيف صوتًا خلفه والتفت وراءه فوجد نورًا ينظر إليهما في حيرة..

شاب صغير تكاد عظامه تتحرر من جلده من شدة الهزاليرتدي شعر ماعز برييختبئ خلفه قلب يضيء،له عينان خضراوان، وشعر أشقر منسدل على أكتافه..

صاحت إيفابنبرة تختلط فيها مشاعر الذهول والسعادة حين رأته وهمَّت أن تضمه إلى صدرها, لكنها خافت أن يهرب منهما فعدلت عن ذلك, اقترب منه جوزيف ابتعد نور فتراجع جوزيف، وقال له:

– نور أنا والدك!

بدت معالم الدهشة على وجه نور حين سمع صوت إنسانٍ يتحدث!

تذكر جوزيف كلام الفيلسوف عن (الأطفال الوحشيين) فحاول أن يتحدث معه بالإشارة, أشار إليه إلى قلبه فانتبه نور أنَّ قلب جوزيف لا يضيء مثله فخاف, اقتربت إيفا من نور ووضعت يدها المضيئة على قلبه, فابتسم نور وكأنَّ خوفه بدأ يزول أخذت إيفا تهجئته: ماما، ماما.

نظر إليها يحاول تقليدها فنطق بصعوبة: ماما!

دمعت عينا إيفا وهي تمسك بيده وتضمها إلى صدرها،ثم أخرجت له ملابس قد أحضرتها معها,في البداية قاومها لكنه ما لبث أن ارتدى الملابس بمساعدتها وقد بدت أكبر منه بكثير لكنها أخفت النور الذي يشع من قلبه.

أمسكت بيده فسار معها إلى مدينة تلدا…

 

 

 

 

 

 

 

 

حين دخلوا المدينة واستقبلت نور المباني اتسعت عيناه في ذهول لما رأى من علوها وضخامتها, فصار يختبئ خوفًا منها وراء أمه ويتمسك بهاإلى أن وصلوا المنزل..

وهناك كانت مهمة إيفا صعبة للغاية,علَّمته كيف يأكل بيده, وكيف يستحم, وكيف يرتدي ملابسه,كانت أكثر صعوبة واجهتها تعليمه كيف يتكلم,قضت في ذلك شهورًا عانت الكثير معه,كان سريع التعلم لكنه كثير الخلوة بنفسه كثير التأمل, لا ينقاد لأوامرها بسهولة.

أصبح جوزيف سعيدًا جدًا بما أحرزته نورا من تقدم في تعليم ابنهما, لكنه في ذات الوقت حزين عليه؛ لأنَّه كثير الانطواء على نفسه، قليل الاختلاط والحوار معهما.إلى أن جاء ذاك اليوم الذي جلس فيه جوزيف مع نور وحدَّثه بكل الذي حدث له من ولادته إلى أن اختفى في الغابة, لكن حديث والدهلم يروِ ظمأه للمعرفة,فجوزيف رجل عاش وسط آلة المدينة وبدا كقطعة منها, ونور الروح المتأملة التي مُلِئت تساؤلات تبحث عن شيء آخر سرقته المدينة من سكانها, شعر جوزيف بأنَّ ابنه يحتاج لحديث مختلف عن حديثه فقرر أن يأخذه إلى الفيلسوف الذي كان على فراش المرض..

دخل جوزيف وابنه على الفيلسوف الذي كان مُزجى على السرير يصارع المرض.

انبهر الفيلسوف حين رأى نورًاولم يصدق أنَّه مازال على قيد الحياة, رحَّب بهما وأمرهما بالجلوس, وحين أراد نور الجلوس أخرج معطفه ووضعه جانبًا ذُهِل الفيلسوف لما رأى النور الذي يشع من قلبه, حاول أن يقوم من مكانه لكنه عجز عن ذلك. بدا وكأنه يشعر بقرب الموت وينتظر أحدًا ليوصيه، ورأى أنَّ نورًا هو الشخص المناسب لذلك فقال له:

يابني لقد أصبح كل مَن في هذا العالم يلهث يشق طريقًا خاصًّا به, وهو على يقين أنَّه هو الطريق الصواب نحو الهدف الذي ننشده جميعًا, بينما الكل في الحقيقة مجرد قطعة تكمل آلة المدينة التي لا تكف عن الحركة..!

يابني لقد أمضيت عمري في قراءة الكتب ومطالعة مافيها, قرأتُ للفلاسفة كثيرًا حتى تشبعتُ بآرائهم, هؤلاء الفلاسفة إما لاوجود لهم، أو هم أشقى أهل الأرض؛فالارتياب في أمور تهمنا معرفتها وضع شاق بالنسبة للعقل البشري.

نور سأعترف لك بعد كل هذا العمر الطويل أنني لم أجد عند الفلاسفة مايجيب على أسئلة كثيرة أبحث عن إجابتها منذ أن أدركت, لكنك يابنيبلا شك تمتلك كل هذه الأجوبة بقلبك المضيء وفطرتك النقية.

كان نور يستمع إلى الفيلسوف بكل جوارحه, وحين انتهى من حديثه قال بصوته الرخيم:

سيدي الفيلسوف: لقد تعرَّضتُ في الغابة إلى مصائب كثيرة, ولكنني لم أشعر قط بمثل الذي شعرتُ به حين كنت أنتقل من شك إلى شك بحثًا عن الحقيقة في عين الطبيعة.

رد الفيلسوف وهو يسعل كأنه على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:

يابني، وصيتي إليك ما يطمئن له قلبك اقبله دون تردد, واجعله حقيقة بديهية وكل ما يترتب عليه فهو صحيح…

اشتد سعال الفيلسوف فأسرع إليه جوزيف يسقيه الماء, دخل الخادم عليهما وبلطف طلب منهما ترك سيده ليرتاح, وبالفعل خرجا وتركاه وراءهم وقد ازداد سعاله شدة وكأنه على وشك الرحيل, ولكن كلماته لازالت باقية تتردد في صدر نورالذي أصبح يردد بينه وبين نفسه ما قاله الفيلسوف:

(ما يطمئن له قلبك اقبله دون تردد واجعله حقيقة بديهية وكل ما يترتب عليها فهو صحيح).

 

يتبع

فطرة! (الجزء الثالث)

فبراير 3, 2016

 مدرسة الطبيعة.

في الريف, كنتُ أحس وجود الله, أكثر مما كنت أحسه في باريس. وكنتُ كلما التصقت بالأرض ازددتُ قربًا منه. وكانت كل نزهة صلاة.

                                             *سيمون

 

 

 

 

 

 

كهف صغير فوهته لا تكاد تتسع لدخول شخص واحد لكن تجويفه يتسع لعائلة مكونة من سبعةأشخاص, تحفه الأشجار من كل اتجاه حتى تكاد تغطي مدخله, أمامه بحيرة صغيرة تجتمع الطيور والحيوانات البرية عليها لتروي عطشها كل حين..

هذا هو المكان الذي قرر جوزيف أن يبقى فيه مع طفله وزوجته, حين دخلت الأم الكهف تحمل الطفل بين يديها انعكس ضوؤه على بعض جدران الكهف فبانت بعض الرسومات التي تؤكد أنَّ هذا الكهف كان سكنًا لأحدهم يومًا ما.

رتَّب جوزيف وزوجته أمتعتهم القليلة في الكهف, ثم جلسا يتحدثان كيف يمكن أن يتدبرا أمر معيشتهم, واتفقا أن تبقى هي وطفلها في الكهف ويتوجه جوزيف إلى المدينة أيام العمل ويعود إليهما في كل إجازة نهاية كل أسبوع, في البداية خافت إيفا وترددت لكنها مالبثت أن اقتنعت أنَّ هذا هو الحل الوحيد الذي ستستمر معه حياتهم.

سارت حياة العائلة في الكهف كأي عائلة اعتادت حياة الريف ينتابها الخوف من الحيوانات المفترسة,لكنها في كل مرة تتغلب على خوفها وتقاوم من أجل البقاء.

الكثير من الذئاب ماتت بسلاح الأم الخائفة على ابنها والكثير من الثعابين كذلك. أمضت الأم سنين وهي تعيش وسط الغابة تسهر على راحة طفلها, وتحاول ألَّا تقترب منه كثيرًا إلا لحاجة,علمته كيف يتصفح كتاب الطبيعة, وكيف يتأمل كل ماحوله, تُخرجه تحت أشعة الشمس وزخات المطر، وتُريه الحيوانات البرية وتُلقِّنه أسماءها, وفي الليل حين تنتشر النجوم على خد السماء تأخذ إيفا طفلها ليعدا النجوم سويًّا, وكم منالصخور التي أضاءت حولها حين يلمسها الصغير بيده,وكم من شجيرة تستحيل إلى شيء أشبه بالسحر حين تتحول وريقاتها إلى وريقات تشع ضوءًا فضيًّا جميلًا, لكنها كانت حريصة كل الحرص على ألا يتعدى تأثيره الكهف حتى لا يستدل أحد على مكانهم, إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غادر فيه الطفل ذو الثلاث سنوات كهف والديه…

ذات صباح استيقظت الأم فلم تجد طفلها بحثت عنه قرب الكهف والبحيرة ولكنها لم تجده لقد اختفى…!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قرب البحيرة كانت هناك مهرتان صغيرتان ترويان عطشهما حين خرج الطفل من الكهف فاتجه نحوهما,لم تنفر منه المهرتان فقد بدا وديعًا في أعينهن بضوئه الفضي الجميل, أقبل عليهما.. قالت إحداهما للأخرى:

– يبدو أنَّه ملاك صغير!

ردَّت الأخرى وهي تتجه نحوه:

– أظن أنَّ جمالًا كهذا الجمال لا يمكن أن يكون إلا ملاكًا!

حين اقتربت المهرة الصغيرة من الطفل انحنت إليه برأسها كأنها تبادله التحية فمدَّ يده إليها يداعبها فأضاءت ناصيتها ضوءًا فضيًّا زادها جمالًا على جمالها.

– ياللروعة! صاحت المهرة حين رأت أختها وقد أضاءت ناصيتها.

خافت المهرة الصغيرة وأخذت تهز رأسها تحاول أن تطفئ الضوء وعجزت، فقالت لأختها:

– ماذا الذي حدث لي؟

– لا شيء سوى أنَّالملاك باركك! تبدين أكثر جمالًا.

لكنها لم تُعِرْ كلامها اهتمامًا فهربت وسط الغابة تبحث عن والديها..

همَّت أختها أن تلحق بها لكنها حدَّثت نفسها كيف تترك هذا الملاك الصغير وسط هذه الغابة ستفترسه الوحوش الضارية لا محالة, اقتربت منه وبصعوبة بالغة وبعد محاولات عدة استطاعت أن تحمله على ظهرها ولحقت بأختها..!

كان قطيع الخيول البرية قد اجتمع استعدادًا لمغادرة الغابة إلى غابة أخرى؛ وذلك لأنَّ مصادر المياه قد شحَّت فيها, أقبلت المهرة الصغيرة يسبقها ضوؤها.

كانت إلكسندرا حينها تتحدث إلى قطيعها, وحين رأت الخيول المهرة بدأت بالصهيل.

صاحت إلكسندرا في بقية الخيول تستحثهم الهدوء لتطمئن على صغيرتها.

– يالجمالها!

– تبدو كملكة!

– أظن أنَّه قد مسَّها سحر!

– إذن ستموت لا محالة!

– مسكينة والدتها لم تتمتع برفقتها كثيرًا.

صاحت إلكسندرا زعيمة القطيع مرة أخرى:

– أرجوكم الزموا الهدوء!

هدأ القطيع, فأقبلت المهرة الأخرى وهي تحمل الصغير على ظهرها, فعادت الفوضى من جديد البعض يصرخ:

الساحر!الساحر!

والبعض يقول:

الملاك!

اتجهت إلكسندرا إلى صغيرتها تسألها ماالذي حدث؟ وهي تحاول أن تُهدِئ من روعها.

حدَّثتها الصغيرة بماحدث وكيف انتقل الضوء إلى جبين أختها، وكيف أنَّها لم تستطع ترك هذا الطفل لتأكله الحيوانات المفترسة..

نظرت إليه إلكسندرا فرأت فيه طفلًا بريئًا كملاك صغير يشع ضوءًا, ثم بدأت تتحدث إلى القطيع:

– أيتها الخيول البرية إنَّ أكثركم قد شاهد بني البشر وهذا الطفل الصغير في هيئته لا يمكن أن يكون إلا بشرًا منهم, لكن الله قد وهبه هذا النور ميزة له عنهم,وإني لأظنه بشرًا مباركًا ولن أدعه هنا بين هذا الحيوانات المفترسة لتأكله,سنضمه إلى قطيعنا وسأتولى رعايته، فما قولكم؟

ساد الصمت على القطيع طويلًا حتى تحدَّث الحصان ألبرت قال وهو يخفي غيرته من هذا الطفل الذي سيحظى برعاية إلكسندرا:

– ولكنني أخشى على بقية القطيع منه, انظري إلى مادلين كيف أصبح جبينها أخشى أنَّه أصابها بسحر!

اقتربت إلكسندرا أكثر من صغيرتها لمست جبينها سألتها بلطف هل تشعرين بشيء؟

ردت مادلين:

– لا.. أنا بخير!

عادت إلكسندرا للحديث مجددًا:

– أرى أنَّ مادلين بخير وقد زادها النور جمالًا على جمالها؛ لذا سأحتفظ بهذا الطفل بعد إذنكم طبعًا!

ثم أصدرت أوامرها بالانطلاق وبدأت رحلة الخيول البرية بحثًا عن الماء وبرفقتهم الطفل نور تاركًا وراءه والديه يبحثان عنه…!

 

 

 

 

 

لم يترك جوزيف وزوجته مكانًا إلا بحثا عن طفلهما فيه, حتى بدأ يتسلل إليهم اليأس من وجوده, شهر كامل وهما من الصباح حتى المساء يبحثان عنه في كهوف الغابة وبين أشجارها حتى البحيرات الصغيرة التي كانت على وشك الجفاف كانا يخوضانها على أمل العثور عليه حتى ولو كان جثة هامدة.

بعد كل هذا العناء والتعب فكر جوزيف أن يخبر صديقه الفيلسوف الذي انقطع عنه منذ أن سكنوا الغابة, وبالفعل ذهب إليه وأخبره بكل ماجرى لهما،فكَّر الفيلسوف ثم فكَّر وبعد تفكير طويل قال:

– لا أظن أنَّ هذا الطفل قد مات؛ لأنَّه لوكان كذلك لوجدتما جثته حتى وإن افترسته وحوش الغابة لابد أن تجدا عظامه,في ظني أنَّه الآن برفقة ظبية أو حيوان آخر ينعم بحنانها.

رد عليه جوزيف في سخرية:

– يبدو أنَّ تأثير العمر بدا واضحًا عليك,كيف يمكن لإنسان أن يعيش وسط الحيوانات؟ … هل جننت؟

– نظر إليه الفيلسوف ثم قال في استعلاء:

– ما أقوله مبني على حقائق علمية تعال معي لأريك.

جلس الفيلسوف على مكتبه ونقر على جهازه، ثم قال:

– هذا بحث يتحدث عن ظاهرة (الإنسان الوحشي) أو (الأطفال الوحشيون) أحصى الأستاذ ليـسـيانمـالـصونLucien Malsonفي كتابه: «الأطفال الوحشيون الأسطورة والحقيقة» اثنين وخمسين واقعة من وقائع التوحش الإنساني المكتشفة، أما اليوم فقد بلغت ضعف هذا العدد!

– كلام جميل يبعث الأمل فيّ وفي والدته أنَّه لا زال على قيد الحياة.

– لكنك يجب أن تجعل في ذهنك أنَّك كلما تأخرت في إيجاده سيكتسب الكثير من الصفات الخُلقية للحيوانات التي يعيش معها.

اُنظر هنا..

وبدأ يقرأ:

إنَّ كل عزل تام لأي طفل يشي بفقدانه لأولياته الصلبة، أي لقابليات التكيف النوعي. هذا ما تشهد به وقائع الأطفال المحرومين باكرًا من كل الصلات الاجتماعية، أولئك الذين نسميهم «وحشيين». فهؤلاء يبقون في وحدتهم يتلاشون إلى حد يبدون فيه مثل بهائم مثيرة للشفقة، في الدرك الأسفل من الحيوانية، وعوض أن نجدهم في حال من الطـبيعة تـسـمـح بظهـور الإنسان في مراحله البدائية الأولى كما افترضها أصحاب نظريات التطور، نجد أنفسنا أمام حالة شاذة تتحول فيها كل دراسة نفسية إلى دراسة تشوهات.

– هل تعني أنَّ طفلي سيفقد إنسانيته؟

– بناء على هذا النظرية نعم، وهذا يعتمد على مدى قابلية طفلك للمؤثرات التي ستواجهه،وبالزمن الذي سيقضيه وسط هذه الحيوانات.

 

أمسك جوزيف رأسه بكلتي يديه وهو يقول:

– أكاد أجن ازداد الأمر تعقيدًا كنتُ أبحث عنه لأنقذه من الموت, وأصبحتُ الآن أبحثُ عنه لأنقذه من الموت، وأنقذ ماتبقى له من فطرته!

قال له الفيلسوف وهو يحاول أن يهدئه:

– تقصد تنقذه من الموت، وتنقذ مظاهر إنسانيته أما فطرته فهذا شيء آخر..

– ماذا تعني؟

– لازلت مصر على أنَّ فطرة الإنسان تبقى معه حتى وإن نشأ وسط الحيوانات وتشوه مظهرهحتى وإن خالفت الأستاذ ليـسـيانمـالـصون فيماذهب إليه.

– وإلى ماذا ذهب الأستاذ ليـسـيانمـالـصون؟

– لقد اختار أن يُعرِّف (الإنسان) بأنَّه: “كائن لـه تاريخ، أو بالأحرى هو نفسه تاريخ”. وقصده بذلك: أنَّ (الإنسانية) ليست معطى طبيعيًّا، وإنما هي نتيجة الانتماء الثقافي للفرد. فصلته ببني جنسه، والدروس التي يتلقاها قصدًا أو عفوًا عن محيطه الاجتماعي، والنماذج السائدة في مجاله الثقافي، هذه الأبعاد هي التي تُشكِّل إنسانيته.إنَّ الأستاذ مالصون يدعونا إلى التسليم بأنَّ الإنسان لن يكون إنسانًا خارج الفضاء الاجتماعي؛ لأنَّه لا وجود لطبيعة إنسانية سابقة على وجود المجتمع. ومن ثم يصر بعناد على أنَّ “الإنسان لا يُولد، ولكن يُبنى”.

– ماذا يعني هذا؟

– يعني أنَّ مالصون يرى أنَّ الإنسان إذا وقع في أسر التوحش، ستندثر بكل بساطة «ماهيته»، وتغيب فجأة «ذاتياته»، فإذا بنا إزاء «إنسان» بدون إنسانية، مادة بلا صورة، شبح يشهد على ذاته بالقصور الجذري!

– يا إلهي أنتَ تُعقِّد الأمور أكثر مما ينبغي.

– لا تهتم…أنا لا أؤمن بما يقول مالصون إنِّي أؤمن بفطرة حي بن يقظان التي دلَّته على المعارف كلها!

– أنتَ فيلسوف مجنون هذا الرجل يبني كلامه على حقائق علمية, بينما أنتَتبنيها على آراء فلاسفة ماتوا وماتت معهم أساطيرهم المنسوجة من خيال!

اقترب الفيلسوف من جوزيف يحاول أن يبعث فيه الأمل، وقال:

– نور سيبرهن على هذه الآراء وسنرى ذلك.

خرج جوزيف وهو لا يكاد يستطيع حمل رأسه من كثرة حيرته وخوفه على ابنه تاركًا وراءه الفيلسوف ينقر على جهازه يبحث عن أدلة تثبت كلامه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عاش نور وسط الخيول البرية ينعم بحنان إلكسندرا وأخوة مادلين وليسا, يأكل الحشائش مثل بقية الخيول ويروي عطشه من مياه الغابة ويغطي جسده بفرو الحيوانات,يعيش في سعادة بين الخيول التي تسابقت في الحصول على مباركة منه على نواصيها, فأصبح القطيع يشع نورًا جميلًا ميزة عن بقية الخيول كان نور كاسمه كلما لامس شيء بيده أضاء..

كثير من أشجار وصخور وحشائش الغابة أصبحت تضيء بفضل يدي نور الصغيرة, لكن سعادته لم تدم طويلًا, فقد تبدلت حين كبر وبدأ بالتفكير فيه وفي هذه الحيوانات التي هو وسطها, أصبح يسأل نفسه كثيرًا لماذا أختلف عنهم؟… ولماذا ليس ثمة أحد يشبهني هنا؟.. ولماذا أنا هنا؟… ومن أين أتيت ؟… ومن أنا؟ .. وما هذا الضوء الذي يشع مني؟

صار نور كثير الخلوة بنفسه يصعد إلى أعالي الجبال ويتأمل, وفي كل مرةكان يتأمل فيها نفسه وفي الخيول حوله كان يحدث نفسه الحديث ذاته:

أنا كائن لدي حواس تؤثر فيني.. أنا كائن فاعل عاقل.. تميزتُ عن باقي الكائنات بقوة التفكير…. لكني تائه ضائع في هذا الكون الشاسع.. شاء مدبر هذا الكون أن أكون وسط هذه الخيول التي لا تشبهني ولا أشبهها في شيء..!

وحين يصرف بصره إلى الكون ويتأمل في الليل والنهار،والشمس والقمر،والحجر والشجر كان يخلص إلى حقيقة واحدة:

إنَّ هذا الكون بهذا النظام الدقيق لابد له من مدبر حكيم, أنا أشعر بذلك إنِّي أرى تدبيره الحكيم في كل شيء أمامي, ولا يمكن أن يكون وجودي هنا وسط هذا الكون عبث, كيف لمن هذا تدبيره أن يخلق شيئًا في هذا الكون عبث ولو صغر حجمه وقلَّت قيمته؟

لابد لهذا العقل الذي أمتلكه وهذا الشيء الذي ينبض بداخلي ويضيء أن يدلني على الطريقة الصحيحة التي يجب علي أن أسلكها لأؤدي دوري في هذا الكون المنتظم…

أمضى نور عدة سنين وهو يكرر على نفسه نفس الحديث ويقلِّبه في ذهنه, حتى قرر ذات يوم الهرب من قطيع الخيول والبحث عن مَن يشبهونه…